تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 09

طالب الحق ضيف الله

للأستإذ: أبو العباس احمد التيجاني

أعرف للحريري صاحب المقامات كتابا، سماه "درة الغواص في أوهام الخواص" تصدى فيه لبيان عدد من الألفاظ خرجت مع الزمان عن معناها الأصلي وأصبحت تدل على غير ما هو مدون في المعاجم وأمهات اللغة، مثل هذا الانحراف الذي خرج ببعض الألفاظ عن المعنى الذي وضعه لها الواضع نجد نظيره وقع في كثير من آيات الكتاب المجيد، يرجع السبب في ذلك إلى أن هذه الآيات أخذها الناس مقتضبة مقطوعة الرحم من الآيات المنتظمة معها في عقد واحد، وبعبارة أخرى أخذت الآيات من غير اعتبار لسابق ولا لاحق ومن غير استحضار لما هنالك من أشباه ونظائر مبثوثة في مختلف السور لها اتصال بوجه من الوجوه بالآيات التي هي موضوع بحثنا هنا، في طالعة هذه الآيات قوله تعالى: والله خلقكم وما تعلمون، لا أطيل الكلام عما أثارته هذه الآية من جدال ومنابذات بين أصحاب علم الكلام ومن تشيعوا لهم أشعرية وماتريدية ومعتزلة وغيرهم مما يربو على السبعين فرقة تجدها معدودة بأسمائها في كتاب (الفرق الإسلامية)، لا نجد لهذه الخلافات من سبب إلا كون الآية، أخذت مقتضبة كما قلت من غير إلقاء حساب للسياق أولا، وللحقيقة التي جاءت لتقريرها ثانيا، الآية جاءت في آخر قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه ابتداء من قوله تعالى: "وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه مإذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون، قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعلمون" يقول إبراهيم لأبيه وقومه كيف تعبدون أصناما تنحتونها بأيديكم مع أن أجرامها مخلوقة مثلكم، فإذا كان الناحث والمنحوث مخلوقا لله، فالله أحق أن يعبد، وبهذا التخريج تتجاوب الآية مع نظيرتها في سورة الأنبياء، ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين، قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلك من الشاهدين، فالآيتان عند من يتدبر متعانقتان تواردتا على معنى واحد، وأما إذا جرينا في تيار أصحاب علم الكلام من الأشعرية وقلنا بأن "ما" في قوله تعالى: خلقكم وما تعلمون، مصدرية، وأن معنى الآية، الله خلق العباد وخلق أعمالهم اختل احتجاج إبراهيم وانتكس رأسا على عقب، وصار حجة عليه لا له، لأنه إذا كانت أعمالنا مخلوقة لله، فماذا ينقم إبراهيم من أبيه وقومه، ألا يحق لهم أن يجيبوه، يا إبراهيم إذا كانت أعمالنا مخلوقة لله فإن من جملة أعمالنا عبادتنا لآلهتنا، فماذا تنقم منا، ما حيلتنا وجميع أعمالنا مخلوقة لله، وعلى هذا التوجيه السقيم يصبح إبراهيم محجوبا وعباد الأصنام هم الغالبينن إبراهيم محجوج والمولى جل ذكره يقول في حقه: "وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه".

أجل، على هذا التخريج المصادم لفحوى قصة إبراهيم وللمنطق قامت العقيدة التي تدين بها الأمة، وهي الظاهرة المتحكمة في معظم شؤونها، ما تكلمت مع أحد إلا جنح إلى التفويض ورد الأمر إلى الله كيفما كان، ويرحم الله سيدنا عمر: سأل أعرابيا عن شيء فأجابه الأعرابي: الله أعلم، فقال له سيدنا عمر لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن الله أعلم، من سئل منكم عن شيء فيقل ما عنده أو لا أدري، فلم يقبل منه كما ترى الاقتصار من أول وهلة على الإحالة على المقادير والتفويض إلى الله، ذلك ليتربى الناس على الصراحة والتمشي مع مجريات الحياة الواقعية، وبعد هذا وذاك فإن القول بأن أفعال العباد مخلوقة لله يصادم قبل كل شيء القرآن على طوله، من ذلك أن الله

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٥٠