أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب إرحمهما كما ربياني صغيرا).
ولمنزلة العدل والإحسان في المستوى البشري وبين الخصائص النفسية طلبهما القرآن في صورة الأمر الجازم في قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فإذا تحقق العدل الفردي والجماعي وأصبح التوازن ظاهرة في تصرفات الفرد والمجتمع على السواء -تحققت صورة من صورة "النوعية" الإنسانية، وإذا وجد الإحسان بالمعنى الذي قدمنا وجدت الصورة الأخيرة لهذه النوعية، وأضحى الفرد ذا إنسانية وأصبح المجتمع مجتمع الإنسان فيما تؤدي إليه كلمة الإنسان من معنى أصيل وخاص بها.
*
وما جاءت به دعوة الإسلام فيما وراء العدل والإحسان لا يعدو أن يكون دفعا لتحقيق العدل والإحسان أو خلقا لجو ييسر أمرهما على الإنسان كفرد وكعضو في مجتمع. فصنوف العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج قصد منها حمل الإنسان على أن يرى نفسه ووضعه في الحياة كما يرى غيره معه في الوجود ويشركه في أسباب الاستقرار. فتكرار الصلاة في الحياة اليومية عدة مرات والوقوف فيها بين يدي الله، والسيطرة على النفس بالصيام مدة شهر في السنة، وإخراج الزكاة عن إيمان قلبي بها كل عام، والالتقاء في بيت الله وفي مكان له حرماته مع تحمل المشقة في الوصول إليه أو البقاء فيه -كل ذلك سيخلى في حياة الإنسان مكانا للغير ويجعل لديه احتمالا قويا للتعاون مع الآخر، وربما يصل هذا التعاون للتآخي بعد ذلك.
وكذا ما جاء في دعوة الإسلام من تحديد في المعاملات المالية والتجارية وفي العلاقات الأسرية لا يخرج عن كونه دفعا غير مباشر للبقاء في دائرة العدل أو الارتقاء إلى دائرة الإحسان. أي إلى الصورة الأخيرة لنوعية الإنسان.
الإسلام مصدر للحضارة الإنسانية. وقد أسهم المسلمون -عندما حققوا مبادئ الإسلام- في بناء تلك الحضارة. ولعل ما أسهموا به كان أروع ما في هذه الحضارة. وقد انقطعوا عن الإسهام والمشاركة فيها يوم أن ابتعدوا عن القيم الإسلامية في حياتهم واكتفوا بانتسابهم إلى الأمة الإسلامية دون أن يصطنعوا صنيع المسلم المعبر في سلوكه عن الإسلام.
ويقظة المسلمين في حاضرنا حين تبتدئ من تقدير النوع دون الكم، ومن تقديم المبدأ دون الشخص ومن الإيمان دون الاحتراف به، أو الاكتفاء بالانتساب إليه، يومئذ تبتدئ في الإسهام في الحضارة البشرية بالنوع الرفيع منها.
القاهرة: محمد البهي.