تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما للإنسان أينما وجد، وللشعوب مهما كان بينها من فوارق اللون، أو المكان، أو الزمان: نجده يقدر الكيف والنوع في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) وقوة المؤمن ليست في قوة عضلاته بقدر ما هي في قوة قلبه بالإيمان، وقوة عقله بالمعرفة، وقوة إرادته بالسلوك المستقيم، وهنا يمكن أن يكون قول الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) موضحا لهذه القوة فالصبر الذي جعل إمارة على القوة حتى يكون العدد القليل المتحلي به أشد تفوقا على العدد الكثير الذي لم يكن له هذا الوصف هو قوة نفسية وليست قوة مادية.

ونجد الكيف أيضا واضحا في تقدير الرسول عليه الصلاة والسلام عندما يقول: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أمن قلة نحن يا رسول الله؟ قال لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل). إذ لا شك أن الكم هنا قليل الاعتبار في مواجهة النوع.

وبعد ذلك نجد القرآن الكريم في قول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) يحدد أن الطبيعة البشرية هي الطبيعة البشرية في أي شعب أو مكان أو زمان، وليس بين طبيعة وأخرى فضل وتميز من حيث أنها طبيعة بشرية. وإنما التفاوت الذي يقع بين فرد وفرد وبين مجموعة من الأفراد ومجموعة أخرى منهم يقع وراء إمكانيات هذه الطبيعة، ويرجع إلى مدى ما تحقق من هذه الإمكانيات في دائرة الطبيعة البشرية نفسها، فكل طبيعة بشرية فردية لها القوى النفسية التي تتمثل في الإدراك والوجدان والإرادة، واختلاف طبيعة فردية عن طبيعة أخرى لا يعود إلى الزيادة أو النقص في هذه القوى، وإنما إلى الإفادة من هذه القوى في التوجيه، والتقوى التي جعلت في القرآن سبب المفاضلة من قوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) هي حسن توجيه القوى النفسية بإدراك الله وحده، وبالمحبة والأخوة بين الناس، وبالعمل الصالح لخير الفرد والبشرية كلها، فإدراك الإنسان في أصله يمكن أن يتجه به إلى الإيمان بالله الواحد أو إلى إنكاره، ووجدانه يمكن أن يتجه إلى المحبة أو إلى ما يقابل المحبة من بغض وكراهية، وإرادته يمكن أن تحمله على كبت الهوى، أوعلى الاسترسال فيه، وهنا يتصور في الإنسان -من حيث أن طبيعته البشرية ذات قوى نفسية ثلاث- أن يكون ذا تقوى وأن يكون غير ذي تقوى.

*

ومما يروى عن الرسول ويذكر في القرآن -فيما سبق- نجد الإسلام بقدر ما هو توجيه للبشرية مصدرا لحضارة الإنسانية في الوقت نفسه، ودعوته هي دعوة لبناء الحضارة ولبقائها، وتعاليمه لا تتجه إلى تكتيل الأفراد لغزو أو اعتداء وإنما تتجه إلى "النوعية" في الإنسان، وهي إنسانيته، وأخص ما يمثل هذه النوعية في الإنسان صفتان: العدل والإحسان:

فالعدل هو موازنة الفرد بين ما يشتهي أن يحصل عليه وما يجب عليه أن يفعله ويؤديه، وفي أفراد المجتمع بين ما يؤدي من قبل كل فرد وما يؤخذ له، ليس هناك حرمان في دائرة الفرد ولكن هناك اعتدال، وليست هناك أنانية في دائرة الفرد ولكن هناك اعتدال، وليست هناك أنانية في دائرة المجتمع ولكن هناك اشتراك في الوجود وفي حق الحياة وتوازن فيهما، ومن ثم ليس هناك مجال للطبقات ولا سبب للاحتكاك، وإنما هناك حق للجميع، والعدل كما يكون في الفعل يكون في القول، وكما يكون بين مشتركين في هدف واحد ولكن تجمعهما خصائص الإنسانية، يقول الله تعالى: (أوفو الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في أرض مفسدين) ويقول: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا) ويقول: (ولا يجر منكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا، أعدلوا، هو أقرب للتقوى).

والإحسان -بدوره- فوق العدل والموازنة، لأنه ليس الإعطاء المادي لمحتاج، وإنما هو التهذيب في أخص صورة، هو المنح بلا مقابل، والرد الكريم عند عدم الاستطاعة على الإعطاء، والمعاملة الإنسانية في العشرة والمفارقة على السواء، والقول الجميل في المحادثة، يقو الله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) ويقول: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) ويقول: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) ويقول: (ولا تقل لهما

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٤٨