تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5،ع6/ مارس 1962 .................... ص 06

الحضارة الإنسانية تقاس بالكيف دون الكم

للدكتور محمد البهي

ليس كل عمل فكري أو تصوري أوفني أو سلوكي يصدر من الإنسان يسهم في الحضارة الإنسانية وإنما ذلك العمل وحده الذي يصدر من الإنسان ممثلا لخصيصة من الخصائص الإنسانية ويتميز به الإنسان لأنه إنسان هو الذي يكون أو ينمي الحضارة البشرية.

فالعمل الفكري الدقيق، والتصور الرفيع، والفن في صورته العالية، والسلوك في رشده واستقامته، هو أساس الحضارة الإنسانية والعامل في نموها أوتقدمها، لأن في كل واحد منا يتجلى جهد الإنسان، وتتجلى إرادته، كما يبدو فيه أن الإنسان ذا فاعلية، خرج عن التأثر وأضحى مؤثرا: بفكره وبتصوره وبفنه وبسلوكه في التوجيه والتعبير معا، والتوجيه والتعبير عندئذ له صلاحية تتجاوز الدائرة التي وجد ونشأ فيها المفكر والفنان أو صاحب السلوك الإنساني.

وهنا يمكن أن يقال: أن الحضارة الإنسانية هي مجموعة من القيم الإنسانية وضعها الإنسان بخالقيته أو توصل إليها بالجانب الإنساني فيه وحده، ولها الصلاحية والاعتبار فيما وراء المجتمع أو البيئة التي وجد فيها صاحب الخالقية أو ذلك الذي بنى وأسهم فيها.

وكلما كان تفكير الإنسان، أو تصوره أو فنه، أو سلوكه أوسع شمولا في الاعتبار والصلاحية في التوجيه كلما كان أدخل في الإسهام في الحضارة البشرية أو في تقدمها ونموها.

وإنتاح إنسان -لهذا- يتميز أو يختلف عن إنتاح إنسان -لهذا- يتميز أو يختلف عن إنتاح إنسان آخر، سواء في الفلسفة أو الشعر أو الرسم والتصوير والنحت والتمثيل والموسيقى، أو في القانون، وأساس الاختلاف أو التمييز حينئذ ليس هو كم الإنتاح، بل نوعه وكيفه.

ويمكن أن يقال أيضا: أن الفلسفة التي توجه نحو العنصرية وتفضل جنسا من البشر على جنس آخر منه، وتلك الأخرى التي تدعو إلى الحيوانية والسخرية من القيم الإنسانية، لا تقوم عليها حضارة بشرية، أوهي أقل في الإسهام في هذه الحضارة من فلسفة أخرى تدعو في توجيهها إلى تقويم الخصائص الإنسانية أينما وجدت في أفراد أوفي شعوب. والشعر الذي يمجد أمة أو فردا أو أفرادا لأنها أمة بعينها أو فرد بذاته، أو أفراد في مجموعتهم. ليس لخصائص أو لقيم إنسانية تتمثل في تلك الأمة أو ذلك الفرد أو أولئكم الأفراد -قليل الحظ في بناء الحضارة الإنسانية، وربما كان من عوامل ضعفها أو فنائها، والفن في أنواعه العديدة الذي يثير الإنسان ويدفعه نحو تقويم الجانب الحيواني فيه، أو نحو تقويم الشعوبية هو فن بعيد عن مقياس الحضارة، وبالتالي بعيد عن الاتصال بها في قيامها أو استمرارها، والقانون الذي لا يؤسس على الحرية الفردية والعدل بين أفراد المجتمع، ورعاية السلوك الإنساني الرشيد فيه -وكلها قيم إنسانية- شأنه أن لا يتجاوز دائرة واضعه، وليست له الصلاحية في التوجيه الإنساني العام، ومن ثم ليس له الطابع الحضاري الإنساني.

وإذا انتقلنا من هذه المقومات إلى الإسلام -كمصدر في توجيه الإنسان- نجده يقدر الكيف والنوع، أكثر مما يقدر الكم، ونجد صلاحيته في التوجيه لا تقف عند قبيلة أو شعب أو جنس بعينه،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٠٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٠٤٧