والأبيات الشعرية السالفة الذكر تعطي صورة حية عن ديوان (اللهب المقدس) فهو يتضمن مجموعة شعرية من أرفع ماعرفت العربية من شعر منذ عهد المتنبي والبحتري والمعرى، ولا أجد غضاضة في وضع شعر مفدي زكرياء في مستوى شعر هؤلاء الفحول من شعراء العربية، فالمتانة في التعبير والدقة في التصوير، ظاهرتان يتميز بهما شاعر الثورة الجزائرية، الذي جاء شعره واضحا وضوح الثورة متدفقا تدفقا؛ لقد فتنت حقا بالصورة المعبرة لهذا البيت:
وامتثل سافرا محياك جلا دي ولا تلتثم فلست حقودا
لقد استنطق الشاعر الشهيد فعبر بذلك عن واقع الثورة هذا الواقع الضخم في بيت من الشعر، إن الشهيد الذي يدفع إلى المشنقة مختالا يتهادى يندفع نحو جلاده يخاطبه ليؤكد له خلاصة مافي الثورة من جلال وعظمة ومن تسامح ونبل، فليكشف الجلاد أو الاستعمار عن وجهه فليس من طبع الشهداء الأبطال الحقد، وليكشف الاستعمار عن وجهه فلا مجال للتستر فالشعب قد وعى مصيره.
هذه لقطة من أروع لقطات مفدي زكرياء الشعرية وهي ليست الوحيدة في الديوان فهو يكاد يكون مجموعة من الروائع الفنية التي تصور بصدق مراحل نضال الشعب الجزائري، هذا النضال الذي يسمو أحيانا ويكاد يكون أسطورة في تلك الأساطير التي يحدثنا عنها الأدب اليوناني القديم.
وهذه أبيات أخرى من قصيدة (وتكلم الرشاش جل جلاله) (*) لا أستطيع أن أنكر القارئ أن إعجابي بها قد تجاوز كل حد، سواء من ناحية البناء الفني أو من ناحية هذه المعاني الزاخرة التي تحفل بها، وقد ذكرني مفدي زكرياء في هذه القصيدة بشاعر العراق الفحل (محمد مهدي الجواهري) في قصيدته (أخي جعفر) التي تعد من أروع وأفخم ما قيل في الشعر العربي منذ عهد أبي الطيب المتنبي حتى الآن، والحق أن هؤلاء الشعراء الثلاثة لا أتردد في القول بأنهم: يصدرون جميعهم عن معين واحد، مع ضرورة مراعاة ظروف العصر وبيئته، وإن كانت العبقرية الخلاقة لاتحفل كثيرا بمثل هذه الظروف، والآن لنعد إلى قصيدة: وتكلم الرشاش جل جلاله:
أكباد من ... ؟ هذي التي تتفطر؟ ودماء من .. ؟ هذي التي تتقطر؟
وقلوب من .. ؟ هذي التي أنفاسها فوق المذابح للسماء تتعطر؟
ورؤوس من .. ؟ تلك التي ترقى إلى حبل المشانق طلقة تتبختر؟
ومن الذي .. ؟ عرض الجزائر شبها من كل شاهقة لظى تتسعر؟
أجهنم .. هذي التي أفواهها من كل فج نقمة تتفجر
أم أرض ربك، زلزلت زلزالها كما طغى في أرضه المستعمر
غضب الجزائر ذاك .. أم أحرارها ذكروا الجراح فأقسموا أن يثأروا
أرض الجزائر والسماء تحالفا فاختط حلفهما النجيع الأحمر
وتكلم الرشاش جل جلاله فاهتزت الدنيا وضج النير
وتنزلت آياته لهابة لواحة أصغى لها المستهتر
والنار للألم المبرح بلسم يكوى به العظم الكسير فيجبر
لو أن مجال النشر يسمح لما توقفت عن إيراد هذه التحفة الشاعرية كاملة غير منقوصة، ولكن أنصح القارئ بالعودة إلى الديوان إن أراد الاستمتاع بهذا الفن الشعري الثائر الذي يمكن القول دون إسراف بأن الشاعر مفدي زكرياء أول رواده في شعراء العربية فيما أعتقد، ولي رغبة جامحة في أن أحلل هذه القصيدة أو بأدق تعبير الأبيات السالفة الذكر، ولكن إيماني بأن الشعر يتعالى عن كل تحليل وأنه ليس من طبيعة الفيزياء أو الكمياء، إيماني هذا هو الذي جعلني أحجم عن عملية التحليل لأدع القارئ الكريم يستجيب عفويا مع هذه المقطوعة والتي قبلها لأن لذة الشعر تكمن في الاستجابة التلقائية العفوية.
الرباط - رابح منصر