تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حقا لم يعن الشاعر بالفن والصناعة لأنه في نظري أيضا في غنى عنهما، مادام شاعرا أصيلا ولا تستقيم الأصالة مع العناية، ومادام الشعر إلهاما كما قال شاعرنا - والإلهام لا يعدو أن يكون حالة نفسية أو رعشة ذاتية تعتري الفنان دون وعي منه، أقول ما دام الشعر إلهاما، فلا مجال هنا لإعداد سابق أو عناية، حسب تعبير الشاعر، لأن الشاعر الأصيل لا يمتلك مصير التعبير عن ذاته في جميع الأوقات، وإنما هي لحظات يعتريه فيها نوع من الذهول الشعري لا يجد معها سبيلا سوى أن يقول شعرا، أن يقول فنا تهتز له العواطف والقلوب والعقول جميعا، تلك هي ساعات الوحي أو الإلهام أو الإجهاض الشعري كما عبر لنا ذلك مرة شاعرنا زكرياء في إحدى أمسياته الشعرية بالرباط.

وأيا كان الأمر فإننا في حديثنا عن (اللهب المقدس) يجب أن تظل حقيقة واحدة كبرى هدفنا في الحديث دون سواها إذا أردنا أن نفهم الجانب الممتع في ديوان مفدي زكرياء وأقول (جانبا) لأن جوانبه كلها ممتعة، غير أن جانبا واحدا هو أكثر إمتاعا، ويجب أن يكون هو مركز الاتجاه، وهذه الحقيقة التي أعنيها هي الحقيقة الثورية في الديوان، فالديوان صورة معبرة لواقع ثوري تمتد جذوره في أعماق الشاعر زكرياء إلى عشرات السنين، وأكاد هنا لا أجد فارقا كبيرا بين القصيدة التي قالها الشاعر في زنزانته، في سجن (بربروس) في الوقت الذي كان فيه لهيب الثورة يكتسح معاقل الاستعمار، والقصيدة التي قالها في مناسبة قومية قبيل اندلاع الشرارة الأولى من ثورة الجزائر المقدسة، فثورية الشاعر الأصيلة هي التي تضفي على الديوان ظاهرة ثورية خاصة، هي هذه الحالة الثورية الناضجة الواعية لمعنى الثورة ولدلالتها البعيدة المدى، والإيمان بحتمية الثورة هو الأخير سيجده القارئ في أكثر من قصيدة في هذا الديوان.

ولعله أجدى للقارئ أن نقدم له بعض الأمثلة المعبرة عن أصالة الشاعر وثوريته وإيمانه بحتمية الثورة في تحطيم واقع الاستعمار:

الذبيح الصاعد

قام يختال كالمسيح وئيدا يتهادى نشوان يتلو النشيدا

باسم الثغر، كالملائك أو كالطف ل يستقبل الصباح الجديدا

شامخا أنفه، جلالا وتيها: رافعا رأسه يناجي الخلودا

حالما كالكليم كلمه المج د فشد الحبال يبغي الصعودا

وتسامى كالروح في ليلة القد ر سلاما يشع في الكون عيدا

وامتطى مذبح البطولة معرا جا ووافى السماء يرجو المزيدا

وتعالى مثل المؤذن يتلو كلمات الهدى ويدعو الرقودا

صرخت ترجف العوالم منها ونداء مضى يهز الوجودا

اشنقوني فلست أخشى حبالا واصلبوني، فلست أخشى حديدا

وامتثل سافرا محياك جلا دي ولا تلتثم فلست حقودا

واقض يا موت في ما أنت قاض أنا راض إن عاش شعبي سعيدا

أنا إن مت، فالجزائر تحيا حرة، مستقلة لن تبيدا

قولة ردد الزمان صداها قدسيا فأحسن الترديدا

هذه أبيات من قصيدة (الذبيح الصاعد) كم وددت لو أني عرضتها هنا ليرى القارئ ويحكم، ونظرا لطولها ولروعتها جميعا فضلت تسجيل هذا الصدى اليسير منها، وكان بودي أيضا أن أنتقي (العيون) منها ولكنها كلها (عيون)، فليعد القارئ إلى الديوان فهو أهون سبيل وأجداه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٩٧