تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص61

معرض الكتب: مع "اللهب المقدس"

بقلم الأستاذ رابح منصر

أود قبل أن أسطر هذه الكلمات حول ديوان (اللهب (*) المقدس) أن أقدم على صفحات هذه المجلة تحية إلى أستاذي الكبير شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، أقدم له هذه التحية لا على ما تضمنه ديوانه الشعري من ءايات الشعر، ولا على ما في هذه الأبيات من صور فنية ترتفع بعواطفنا وبعقولنا إلى مستوى رفيع، وإنما أقدم هذه التحية مصحوبة بانحناءة إلى الشاعر زكرياء تقديرا مني للمجهود العظيم الذي بذله في إخراج هذا الديوان الحافل بمعاني الحياة الثورية في هذا الوقت الذي اجتازت فيه الثورة الجزائرية مرحلة الطفولة إن صح هذا التعبير إلى مرحلة النضج والإثمار.

وهنا أجد نفسي حائرا أمام (اللهب المقدس)، وهذه الحيرة تتمثل في الجوانب العديدة للديوان فهو لا يصور فقط فترة ثورية من أعنف ما عرفت الفترات الثورية في تاريخ الإنسانية من عنف وإنما يصور زحف شعب كامل نحو النور، يصور فوق ذلك جيلا كاملا يحمل مشعلا مقدسا ليبدد به كثافة الظلام الذي يعم جوانب حياته المختلفة، وأخيرا يصور الشاعر زكرياء في (لهيبه المقدس) الشعب الثائر والأمة التي امتزجت بهذه الروح الثورية فتمخضت عنها حالة نفسية ثائرة تندفع نحو الهدف في قوة وإصرار، وعن وعي إنساني عميق، باذلة كل التضحيات من أجل تجسيم هذا الهدف وجعله حقيقة إنسانية اجتماعية كانت خلال قرن وما يقارب نصف القرن خيالا جميلا يداعب العواطف والعقول والقلوب جميعا.

واللهب المقدس يمثل مرحلة متميزة من حياة الشاعر النضالية، مرحلة انفعل فيها مع الأحداث الثورية انفعالا شاعريا عميقا، فقد عاش التجربة الثورية في جانبها العنيف كما عاشها في جانبها السياسي الهادئ. ومزية الشاعر في (اللهب المقدس) أنه عانى الزحف الثوري بجميع أبعاده، ولذلك استطاع أن يرسم لنا خطوط هذه الأبعاد في إطار شعري أنيق ومؤثر وزاخر بالانفغالات الثورية المتأهبة، وغير هين ولا يسير أن يجمع شاعر ما بين هذه الأشياء جميعا دون أن يضحي بقدر معين من صناعة الفن الشعري ومن الأناقة في التعبير التي هي ظاهرة جمالية يفقد الشعر معها كيانه العضوي إن هي أعوزته.

وشاعرنا مفدي زكرياء قد وفق في الجمع بين هذه المظاهر الغنية التي تضفي على العمل الشعري طابعا أصيلا، والحق أن هذا التوفيق لم يكن حدثا مفاجئا للذين كان لهم اتصال بإنتاج صاحب (اللهب المقدس)، فقد عرف بأصالته الشعرية وبعمق إحساسه وقوة استجاباته العفوية لما يواجهه من وقائع وأحداث، خاصة إذا كانت مرتبطة بالواقع القومي الذي يحتل مكانة ممتازة في عدسة الشاعر.

وقد كان جميلا من الشاعر حين تواضع عندما قال: لم أعن في (اللهب المقدس) بالفن والصناعة عنايتي بالتعبئة الثورية وتصوير وجه الجزائر الحقيقي بريشة من عروق قلبي غمستها في جراحاته المطلولة ... والشعر الحق في نظري إلهام لا فن، وعفوية لا صناعة.

* اللهب المقدس: طبع مطابع دار الكتاب، نشر المكتب التجاري ببيروت.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٩٦