عن الكلمة باعتبار اصلها، فلا تجد اية كلمة الا اذا كنت عالما باصل وضعها، او مصدرها، او مجردها بحيث يتعذر على الجاهل بقواعد اللغة العربية العامة ان يبحث في المعجم عن كثير من الكلمات التي يجهلها، لان هاته الطريقة ان كانت غير مبهمة بالنسبة الى الكلمات الواضحة الاوزان الظاهرة للعيان، فانها بالنسبة الى الكلمات التي دخل عليها الابدال او الاعلال، او التي تغيرت تغيرا كبيرا حينما جمعت جمع تكسير لا تبدو يسيرة او سهلة المتناول.
فالكلمات الأتية مثلا: اينق وقسي واتقياء جموع تكسير لا بد قبل ان تبحث عنها فب المعاجم القديمة ان ترجعها الى مفرداتها، ويتصور مؤلفو تلك المعاجم بانك تعرف ارجاع الجمع الى مفرده بدون كبير عناء، فهم يتخيلون انك ستدري بدونصعوبة كيف ترجع لفظ اينق الى ناقة، وقسي الى قوس، واتقياء الى تقي، ثم هم يعتبرون انك ستكون عالما بان الف ناقة منقابة عن واو، وان الاصل نوق، ويظنون انك تعرف ان لفظة تقي صفة من التقوى، وان التقوى اسم من اتقى، وان اتقى فعل خماسي مزيد بالهمزة والتاء وزنه افتعل، وانك تعلم القاعدة الصرفية التي تقرر بان كل فعل مجرد اذا كان ثلاثيا مبدوءا بالواو وزيدت فيه الهمزة والتاء ابدلت واوه تاء، وادغمت احداهما في الاخرى، وعليه فاصل اتقى وقى، والبحث عن تقي او اتقياء يجب ان يكون في مادة الواو، وهذا مما يصعب على الباحث معرفته في اول عهده بتعلم اللغة، ولذلك فبحق نلاحظ بعد تقديم هذه الامثلة ان المعجم العربي القديم لم يكن معجما تعليميا، وانما كان موضوعا لمن يحسن اللغة العربية ويعرف اصولها ويربط المفردات بجموعها، والافعال المزيدة بمجرداتها والمشتقات بمصادرها، وانها لم تكن معاجم صالحة ليتناولها التلميذ في المدرسة ليتعلم بها لغته، او اتقدم الى الاجانب الذين يرغبون في تعلم لغتها.
وبصفتي استاذ اللغة العربية فانني الاحظ عدم اعتناء التلاميذ بتحضير كثير من القطع الادبية لانهم لا يستعملون المعجم العربي الا لماما، فاذا سألتهم وجدتهم يشمئزون من الطريقة التي يسير اليها المعجم، فهم مازالوا حديثي عهد باللغة ويعملون على تعلمها ولكنهم يجدون انفسهم امام معاجم تتطلب منهم ان يكونوا خبيرين بقواعد الصرف و النحو، والاطلاع على السماعي من اللغة وعلى القياسي منها وهذا ما يرهفهم ويبعدهم عن الاستمتاع بمطالعة الكتب العربية والاهتمام بها، فهم يتمنون لو كان المعجم مهيئا لهم تهييئا يقربهم من الغاية شأن المعاجم الاوروبية.
والحقيقة ان معاجمنا لو كانت مرتبة على الترتيب اللفظي لكان انتشار اللغة العربية بين التلاميذ اكثر مما هو عليه الآن.
فالمعجم الفرنسي مثلا حينما تريد ان تبحث فيه عن او او فانك تبحث عن مبتدأ اللفظ من غير اعتبار اصله، وهذا مما يسر اللغة الفرنسية وجعلها في متناول الراغبين في تعلمها.
ولذلك لاحظ الاستاذ الوفي الصقلي مدير المدرسة الادارية حاليا حينما كان مفتشا للغة العربية ان التلاميذ لا يستعملون المعجم العربي لانهم لا يجدونه موضوعا بكيفية واضحة وقام حينئد بجولة عامة يدعو جميع اساتذة اللغة العربية الى التفكير في وضع معجم عربي جديد يسير على نسق البحث عن اللفظ لا عن الاصل ويكون معجما مدرسيا يحبب التلاميذ في لغتهم وييسر لهم سبيل الاطلاع عليها.
وحيث كنت اشعر بنفس شعوره فقد حاولت ان اضع هذه النظرية في حيز التطبيق وشرعت في تنظيم المعجم الجديد وجمعمادته منذ سنة1958، وقمت بندوات شرحت فيها النظرية الجديدة في تنظيم المعجم العربي التعليمي الذي سيفيد كثيرا من اراد تعلم اللغة العربية من ناشئتنا ومن الاجانب.
ومما حفزنى الى العمل على تحقيق هذا المشروع الجديد في تطور المعجم العربي شعور كثير من ادباء العرب وعلماء اللغة بما يتجلى من ضعف في ترتيب معاجمنا، وعقم في شكلها، فلقد ذكر الاديب اللغوي المشهور ابراهيم اليازجي المتوفى سنة1906 في سياق الحديث حول اصلاح المعجم اللغوي العربي قوله: (. . وان ترتب الالفاظ على وجه سهل المراجعة لا يكلف عناء ولا بحثا طويلا بحيث تكون كتب اللغة عندنا على مثل ما هي عليه في اللغات الاوروبية) (*).
وقد حاولت وزارة التعليم بمصر سنة1904 ان تقرب اللغة الى اذهان النشيء فامرت الاستاذ محمود افندي خاطر بترتيب كتاب مختار الصحاح للجوهري الذي صحح
* ضحى الاسلام لاحمد امين الجزء الثاني الطبعة الثالثة صفحة263
* المختارات للاب رفائيل نخلة اليسوعي، الجزء الثاني طبع 1931صفحة10