كرامته، وتساعد الناس على فهم ما في الثقافة الاسلامية من معنى صحيح وشامل لاستدرار اخلاق الثقافات كلها والاستفادة منها وافراغها في قالب اسلامي. وكان اعظم مظهر لذلك في مطلع نهضة الاسلام الفكرية نشوء فكرة المعتزلة_كتفكير تجريدي_فقد استطاعوا ان يخلقوا جوا فكريا متحررا رائعا وسط سلطة زمنية محافظة قاهرة، وقد كان في الامكان ان تنال منهم البلاد مواريث ضخمة ويصيبها منهم كسب كبير لولا تدخل عوامل سياسية كان من نتائجها السيئة فيها تضحيات، وكان لها ضحايا كثيرون من ذوي الافكار المخنوقة.
وانت تذكر بعض الرجال المعدودين من مفاخر الثقافة الاسلامية في كل عصر من العصور الاسلامية في القديم والحديث حتى تصل الى القرن العشرين، فنضع ايدينا على امثال جمال الدين الافغاني ومحمد عبده والكواكبي ورشيد رضا والخولي وغيرهم قدس الله ارواحهم، فلماذا بقيت اسماؤهم لامعة مع مرور الزمن، وعالقة باذهان الناس، ومرتبطة مع التاريخ؟
لالشيء، الا لان دعوات المصلحين تقوم اساس تمثيل فكرة يراد لها الانتصار، لا على اساس شخصية يراد لها البروز والظهور والشهرة على حساب الجماهير، ثم اذا تحدثوا عن مواقف فكرية خالدة خلطوها بدمائهم، وصنعوا منها ملاحم تملأ الدنيا بتلك الصيحات التي تعلو بين جوانب امتهم، وقد استطاعوا_من اجل هذا كله_ان يؤلفوا من مجهودهم الثقافي، ومن واقع حياتهم العملية، ومن اوضاع بلادهم الاجتماعية وحدة لا تتجزأ من مفهوم حياتهم الثقافية وساروا على هذا المنوال_بعد ما استلوا سيوف شخصياتهم من اغمادها_يحددون لتلك الاوضاع مناهجها، ويكافحون من اجل تطبيقها، وينطلقون بها الى ميادين لا حد لها.
فان تك افنته الليالي واوشكت
فان له ذكرا سيفني اللياليا
وعندما يذكر الانسان ذلك، ولا يدخل الى هذه الثقافة من بابها الضيق، يجزم باستمرار فعلها في جميع العصور، وباصالتها في تادية رسالتها، وبصلابة قناتها الفكرية التي تصل بين مختلف الثقافات.
ولعلنا نستفيد اكبر استفادة مما سبق، السر فيما يشكو منه الناس من الجمود الفكري والركود الادبي وخفة وزن الانتاج الثقافي في بلادنا الذي اشترك في تأليفه عدة عوامل، ليست من نصيب المثقفين وحدهم، هذه الظاهرة السلبية التي لها مجالها الواسع في حياتنا الاجتماعية كانت هي المدد الاول والاخير في فتورنا العام، وتأخرنا الى الصفوف الخلفية من صفوف الناس.
ولم يقتصر ذلك على التخلف الثقافي وحده، بل تعداه الى ميادين اخرى كان التخلف من هذه المئلزق وهذه المشاكل وهذه الصراعات الفكرية في الوطن الواحد فلن ينتهي اثرها حتىتنتهي ظروف ظهورها، فتجد المشاكل وضعها الصحيح وحلها العملي، فيلتمس الناس الحلول لمشاكلهم من انفسهم، ويسعون الى خلق وسائل المساهمة في التطور العام للمجتمع الذي يعيش فيه.
هذا هو الحل الايجابي لهذا الفقر الثقافي الذي يتوقف على مساهمة الناس وجرأتهم من الاسر الفكري والاجتماعي وتكوينهم التكوين الصحيح من جهة، واماطة الاذى عن طريقهم، وافساح المجال لهم وتشجيعهم بشتى ضروب التشجيع من جهة اخرى.
وانا لنؤمل_كما يؤمل قادة الحركة الاصلاحية_ان تكون الشعوب الاسلامية قد استفادت _على الاقل_من دروس الفترات القائمة التي تتسم بطابع التخلف والعزلة، وصبغت جميع اعمالها وانتاجها ونهضاتها بالسطحية والارتجال، والتي كانت ظروفها قاسية لا زالت تتعثر في اذيالها، لعلها تكون قد وجدت تفسيرات واضحة جديدة لمشاكلها القائمة المختلفة، ولاخطائها السالفة، ومحترسة من الوقوع في مثلها، ومقتنعة بضرورة اخاذ جميع الوسائل الوقائية، لضمان سير المبادرات الجديدة الدافعة الى العمل الجاد المنظم المثمر السريع في جميع الميادين، لاسترجاع تلك القوة الكبيرة الجسيمة الاثر، المستوحاة من تلك المنابع الثرية الاسلامية، لاستيصال جذور الفساد، وتوحيد القوى النضالية المتأصلة في النفوس.