على هذه الاسس الموضوعة_عندهم_بدقة: ضعف حس الواقع، والكفر بمبدأ التطور، وسيطرة الاوهام والخرافات.
لذا كان مما لا محيد عنه_في نظرهم_ان تتولد عن ذلك عدة مشاكل، شغلت بال الراصدين منهم_للسير الثقافي الاسلامي، وخاصة بعد ما شاهدوا ميلاد تركيبات فكرية وثقافية، واختلفت بعد ما شاهدوا ميلاد تركيبات فكرية وثقافية نشأت عنها نظم اجتماعية وثقافية، واختلفت وسائل التعبير والاداء عنها، ووسائل نشرها واستيعابها، واختلفت الاشكال الدراسية، واحتكت بهذه الاشكال مفاهيم جديدة، وجدوا في ذلك كله دافعا قويا الى ان يشغلوا انفسهم ويشغلوا الناس معهم بميلاد هذه المشاكل التي كان فعل الاسلام فيها سلبيا في نظرهم_وكان اثره فيها عديم اللون، فامتدت المشاكل بحكم مرور الزمن_الى ميادين ضحلة انتهت به الى نقطة التخلف والاستحالة ولربما يكشف عن هذه المشاكل الواقع الثقافي الاسلامي كما يقولون في صورة الآتية: ما مدى التلاؤم بين مستويات الثقافتين، ومامقدار الاستفادة التي تنهل منها البلاد ازاء مشاريعها الجديدة، وازاء ملحمة التصنيع، واخضاع الحياة للوسائل الحديثة: في نظام القرية، وفي نظام العمل، وفي نظام الحكم، وفي نظام الاسرة، وفي جميع الانظمة الاجتماعية، لتغير نظامها المتخلف القائم وتحيله الى نظام اسعد وانفع، وما هو السبيل الى تجنب الازدواج الضار في نظم التربية_في النظام الثقافي والمناهج المشتركة الذي لا قبل لنا به، والذي هو واجب مفروض على حساب الثقافة الاسلامية، لان توقف سير هذه الثقافة عن مسايرة باقي الثقافات_كما يقولون_وعدم استجابتها لمطاليب الحياة_كدراسة لا صلة لها بالواقع ولا بمستويا ت التطورات العالمية الاخرى، قد ساعد كثيرا ان لم يكن العامل الرئيسي_على خلق هذا الازدواج، كما ساعد على ايجاد جو قاتم بين الطبقة المثقفة في الوطن الواحد، وساهم في خلق مصاعب وموجات ضاعت وسط ضجتها جهود وامال معقودة بنواحي الفكر الصحيح. . ونتائج الوعي السليم في انتشال المجتمع من ءافاته، وتقدير خطواته وفي الاخلاص له، والاستجابة لمطالبه وحفظ التوازن بين قوى التطور فيه، هكذا يقدمون لنا هذه التفسيرات تبريرا لمواقفهم.
وان يكن لا مناص لنا من الاعتراف بسوء حظوظ المسلمين من ثقافتهم وبسوء عرضهم لها حيث صار طابع العصر الحديث يكمن في حسن العرض والاداء، وبفهمهم المنحرف الناشئ عن تلك الايحاءات الثقافية المتباينة التي ليست من وحي التراث القومي المشترك الذي يجمع الناس في صعيد واحد ويطبعهم بطابع الشمول والعمق في الهاماتهم الانسانية المشتركة، ويعين_بالتأكيد_على ربط الشعور والتفكير برباط واحد_فانه لا مناص لنا من الاعتراف ايضا بسوء تقويم الناس للخلق الثقافي الاسلامي ممن يريدون انتزاع الكفالة التاريخية منه التي وهبها له الله تعالى.
ولم يبق امرا مكتوما عن الناس ما لقيه الاسلام منهم من تهوين وتشنيع وتزوير وخلط جاهل او معتمد بين الاسلام وثقافته، وبين المسلمين وثقافتهم خلطا لا يعدو مظهرا لمنطق الاحقاد والاطماع. وقد لا اكون مغاليا اذا ما قلت انه اصبح من العسير جدا ان نوفق بين منطق الثقافة الاسلامية_في جورها_وبين فهم الناس لها طالما بقيت تلك الدوافع الاولى والاخيرة من دراستهم مستمدة من دراسات غير نزيهة ملفقة مجزئة لاسرار الاسلام ولمقاصده على غرار تجزئتهم لاممه وشعوبه، وقد كان في الاماكن _لو تجردوا عن الملابسات_ان يظفروا باحسن حظ من دراستهم وتتكون لديهم فكرة ممتدة سليمة عنه قد تتجاوز بصر اقدامهم، وتتجاوز حدود الغرض الى ميدان القصد والاعتدال في البحث لوجه الحق.
وقد يكفينا في سياق الرد على هذه التجنيات _في صور مشاكل واستنتاجات_ان نذكرهم_واخال اننا في حل وفي غنى عن الرد التفصيلي_بامتداد الحياة الاسلامية بفضل تمدد ثقافتها، فقد استوعبت امما وشعوبا وانتظمت فيها شؤون دنيا الناس انتظامها لدينهم واستظلوا بظلالها في غير قسوة ولا اكراه.
وكل ما يعلمه الانسان من بين التطورات الثقافية انها تفسح صدرها لكل التركيبات الفكرية وخاصة عندما تجد الالف الحضاري منذ اللحظة من حياة الاسلام يقفز من بلد الى بلد لا يحرم معه اتباعه من استمتاعهم بثمرات الاحتكاك العلمي، ولا من كل ما يقع على سمعهم وعلى بصرهم من كل ما جد في الحياة.
وقد كانت نماذج من ذوي الافكار الحية الواعية من المسلمين تظهر من حين لآخر تقيم ما مال من تعاليم الاسلام، وترد عليه هيبته، وتحفظ عليه