تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك الاساءات المتعددة من جانب المسلمين انفسهم، ممن تسمم تفكيرهم، وساء فهمهم للاسلام جملة وتفصيلا، ففتحوا بذلك نوافذ الشك والتشكيك في صلاحيتها، وفعاليتها، وتصرفت حظوظهم المختلفة تصرفا غير لائق، سواء في ذلك حاملو الثقافة القديمة او الثقافة الجديدة، فان كلا الفريقين لم ينطبع بالطابع الثقافي الاصيل الذي يتصل بتاريخ الامة الطويل، ليغذي فيهم ذلك الشعور المشترك الممتد مع غرائز قوميتهم المجيدة التي يكافحون من اجلها، ولست بمتجاوز درجة الاعتدال اذا قلت ان هناك جانبا من المثقفين يتسم بطابع الجفاف والجمود عن تفهم خصائص هذه الثقافة، وتكون في ظل هذه الفترة الكاسفة نفسيات ضعيفة، ومجتمعات متخلفة، وشعور امي بالدين وبالثقافة وبالواقع في زحمة عالم متطلع الى حياة جديدة، لها مفاهيمها ولها مطاليبها.

كان من النتائج السيئة لذلك ان ذرت قرون _في مختلف العصور_من سدنة الفكر الاسلامي وحملة ميراثه_في زعمهم_ملأوا فراغهم الواسع بدراسة ذاتية وفي نطاق ضيق متصلة بشعور فردي وظلوا يدورون حول نفوسهم، ويتحللون من واقع حياتهم، ويعقدون هذه الثقافة ويمجدونها ويهملون كل الفرص لربط ما بين دين الناس ودنياهم من صلات ترفع من قيمة الفرد وترعى الجماعة.

وقد وجدوا في المدونات والمصادر التشريعية الاسلامية مهيعا ناضرا ومجالا خصبا لاستثمار هذه الحياة الفكرية القاصرة، وترويجها من اجل تنمية ملكة عقلية ومران فكري كما يدعون، مع ان ما كانت تلك الوثائق الاسلامية في يوم من الايام لتهدف الى هذا وتسوق الى الناس الخيبة والضياع.

وانما سيقت اليهم_فضلا من الله تعالى ونعمة_لتصون مصالحهم، وتقيم عدل الله بينهم، وتستجيب لما جد في الحياة، وتلائم بين حاجات الناس وبين مئاخذ الاسلام الكبرى.

وان يكن لابد من هذه الدراسة على هذا الشكل في كتب مشحونة بالموخذات والافتراضات والمحاكمات، فلن تكون هذه الدراسة الا على انها دراسة تاريخية يعلق بها الترف الفكري على النحو الذي يطلع الناس بلون التأليف، ولون الفكر المتحكم، ولون المؤثرات الذي تاثرت به الطبقة المثقفة في جدالها وفي تفكيرها وفي فهمها للاشياء.

وما كان هذا ليشغلنا عن النظر في الاوضاع الثقافية الحديثة التي يبدو من اهتماماتها الاولى انها تبذل مجهودات جمة لاستيصال ذلك الارتباط العميق التاريخي بين الناشئة ودينها، وتحرير الاجيال الصاعدة من ربقته، وطبعهم بطابع متميز يعمل على تنمية قوى مجهولة في نفوسهم لا تنتهي في مصادرها ولا في مواردها الى رأي واضح. وهناك اتجاهات مرسومة تعمل باكثر من وسيلة معتمدة على وسائل النشر والاذاعة والافلام والارساليات التبشيرية، واكداس الكتب والابحاث ومناهج الدراسات ونشاط السفارات_لاجتذاب العقول الضعيفة واستضعاف العقول القوية، وانتزاع ما فيها من نزوع الى الفكرة القومية لتحل محلها ذهنيات وانطباعات يكون لهل تأثيرها السئ على مستويلتنا عن طريق الفن والفكر والادب.

وقد كان كمال الدين حسين المصري وزير التربية على علم بخطورة هذه المنافسة الثقافية الكاسحة وعلى حق فيما قال: يجب على المعلمين ان يستأصلوا من اذهان الناشئة كل ءاثار السيطرة الثقافية الانكليزية والفرنسية_. وايا ما كان الامر وكيفما كان ثقل هذه الاوضاع الخاطئة لهذه الطبقة من المثقفين من الطائفتين، فان الاسلام لا يكتفي بالاستغناء عنهم، بل يؤكد على ضرورة مكافحتهم والتمييز بين الخلط الذي احدثوه ونحن نحرص الحرص كله علة ان ينتهي هذا المظهر السخيف للدين_لان العدو يعتبره امضى سلاح في يده، لانه يعمل في صمت، وفي هدوء صوت وتستر عن العيون_وينتهي هذا الفهم المنحرف للدين ولثقافته ولكن لا تنتهي بانتهائه تلك الرسوم الحقيقية لهذا الدين السالمة من الاضافات المدسوسة. كل هذا مما سبق ذكره فتح امام اعداء الاسلام مجالا للحديث عنه وهم راضون عن انفسهم فيما يلفقون عليه من مواقف، فانك قد تراهم يتحدثون باعجاب عن الحركات الثقافية وعن المواقف الفكرية في العالم، ولكنهم حينما يتحدثون عن الاسلام وعن ثقافته نراهم تحجبهم عوامل عن النظر الى ذلك نظرة مخلصة لوجه الحق ولوجه التاريخ.

ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل اضافوا الى ذلك: انه اذا صحت الشكوى من ثقافة الاسلام، فلان طبيعتها يخالفها الصواب دائما لانها تنظر الى الاشياء

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٩٠