تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص54

في سبيل ثقافة إسلامية صحيحة

للاستاذ: محمد العيساوي

كلنا نعلم ان التصميمات الاصلية للانظمة الثقافية في كل امة هي خير ما يسعد به المجتمع ومن خير الوسائل لانماء ضمير المواطنين وتقوية احساسهم وكفالة مستوياتهم وانعاش المعاني السامية فيهم. وليس بوسعنا ان نتحدى هذا النظام او نوقف تياره_متى شق طريقه_او نقيس مدى قدرته وتصرفه في توجيه الحياة الانسانية بمذاهب وتيارات وبمواقف اخرى في الحياة بالغة ما بلغت صلتها بالانسان وبئافاقه وبانطلاقاته.

وربما يكون لهذه المواقف بعض النجاح في فترة من فترات التاريخ، ولكن في الحقيقة ليس ذلك راجعا الى اصالة هذه المواقف وهذه المئاخذ في الدفع والعطاء البعيدة الصلة باللون الثقافي، وانما لعوامل اخرى قد تكون ايضا من معطيات الثقافة ساءت نسبتها الى غيرها.

ان اكبر ما تعتمد عليه التطورات الانسانية تفاعلها المستمر هي الانظمة الثقافية التي ارادها الله اتكوين اداة لتصفية جميع متناقضات الحياة، واتمثبل الظاهرات الحضارية، وعاملا قويا من عوامل الاستمرار القومي، وباعثا على خلق وحدة منسجمة واعية مطبوعة بطابع الشمول والتمثل والخلود. وجدير بنا ان نعرف ان ايو وحدة كيفما كانت_لا يمكن لها ان تعيش الا على اساس وحدة ثقافية مشتركة وداخل حدودها، فلن تبنى على اساس اقتصادي او عسكري او سياسي، واذا قدر لاية وحدة ان تعيش على غير حرارة الرصيد الثقافي فغالبا ما تكون حاملة لعناصر فنائها ويقضي عليها في اهابها.

مثل هذا يدفعنا الى القول ان من شأن الثقافات _في صفاء جوهرها_ان لا تعكس خلافات ولا ان تسهم في ميلاد مشاكل قد تسئ الى الناس، ولا ان تبعد بهم عن مجرى الحياة، ولا ان تفصلهم عن مجتمعاتهم، ولا ان تعهد للانسان في اعقاب التاريخ ان يهدم ما بناه الانسان الاول بدمه وعرقه المتصبب. وانما ابتعدت عن اداء رسالتها يوم ابتعد الناس بها عن مسالكها المألوفة، وجفت عن الاستجابة الطبيعية لها في اليوم الذي طغى عليها الفساد والتعمل والجمود. تلك الاستجابة التي ارادها الله تعالى لتعوض الانسان عما يجد في نفسه من شقاء، وفي مجتمعه من تخلف، وفي خلقه من انتكاس.

واذا قسنا الثقافات المختلفة بعضها الى بعض وعجمنا نتائجها، ووقفنا على اهدافها، نجد ان الثقافة الاسلامية_في خصائصها الاولى_هي اجدى ثقافة على الانسانية، وخير نظام ثقافي تتمثل فيه العقيدة والشريعة والمجتمع والدولة والسياسة وادب الناس وسلوكهم وحربهم وسلمهم_تمثيلا يهدف الى بث الروح الجماعية، وخلق ضمير حي، وشعور قومي مشترك، وادماج حياة الفرد وهو راضي النفس في حياة الجماعة، وقد مرت عليهاقرون طويلة دلت فيها التجربة والاختبار الدقيق على نجاحها الواسع، وعلى انتصاراتها المتصلة، وعلى مسايرتها ااتمدد الانساني العام.

واذا كنا نشهد مشاهد جديدة على مهاد واقعنا الثقافي المرير الذي نعيش فيه اليوم_مشاهد تجر وراءها ظلال من الريبة والخطيئة والعقوق والفراغ المهول_فليس ذلك راجعا الى انتهاء امد انطلاقها، او تأخرها عن اداء مهمتها، وانما يعود بالذات الى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٨٩