الامال مرة اخرى عندما تلقى رسالة من صديقه القديم المتوكل بن الافطس يطلب اليه فيها العودة الى بطليوس، فتملك ابن عبدون اذ ذاك شعور من السرور لا يمكن ان يوصف، فقد كانت هذه الرسالة تعني ان آماله توشك ان تتحقق، كما كانت تعني كذلك انه سوف يسترد كرامته ويثار لكبريائه لان المتوكل بن الافطس هو العدو اللدود للمعتمد، ولا شك ان انتقال ابن عبدون الى بلاط المتوكل هو الشيء الوحيد الذي ستشتفى به نفس ابن عبدون الذي قضى في اشبيلية فترة قاسية كان فيها مجهولا لا يحس بوجوده احد، ولا يعرف عنه اكثر مما يعرف عن اي شاعر آخر يتكسب بشعره، ومن يدري؟ فربما كان في بلاط المعتمد من يعرفون لابن عبدون قدره وينفسون عليه مواهبه فعملوا علة ان يوصدوا من دونه ابواب المعتمد حتى لا يزحمهم عنده ولا يشركهم في منازلهم لديه، وربما كان المعتمد نفسه لم يرقه شعر ابن عبدون ولم ير فيه ما يراه في شعر غيره من شعرائه المقربين.
مهما يكن من امر فان ابن عبدون لم يشأ ان يشغل نفسه بالبحث عن الاسباب التي قعدت به عن تحقيق آماله ادى المعتمد، واعتزم السفر الى بطليوس تاركا من ورائه اشبيلية والمعتمد غير آسف ولا نادم وانشأ قصيدة في مدح المتوكل، وما كاد يدخل الى بطليوس ويلتقي بالمتوكل حتى انشده اياها فوقعت من نفسه اجمل موقع، فخلع عليه المتوكل واجزل عطاءه، وانا اموردون هنا بعض ابيات من هذه القصيدة:
*) وافاك من فلق الصباح تبسم
وانجاب عن غسق الطلام تجهم
والليل يبغي بالاذان وفد شدا
بالفجر طير البانة المترنم
خبطت بنا ورق الظلام سوابح
ملء النواظر سيرهن توهم
فاذا سرت فالليل منها ابيض
واذا غدت فالصبح منها ادهم
من كل هفهاف العنان كانه
نفس المشوق تعاورته اللوم
شامت لساني فيك ياابن محمد
مقة اذا كتم الهوى لا تكتم
ومحبة موروثة مكسوبة
بديء الزمان بها وعنها يختم
واليك من بيت الضمير حديقة
غناء تنجد بالرواة وتتهم
لله درك هل لمجدك غاية
الاوانت بها معنى مغرم
وعلاك لي درء وجودك في يدي
ماض كرأيك في الخطوب مصمم
وتعلمت منك الغمامة شيمة
تهمي وفيها للبروق تبسم
ولقد كانت هذه القصيدة قطرا تلاه غيث'اذ اعقبتها قصائد كثيرة كانت كل واحدة منها سببا يزداد به ابن عبدون من المتوكل قربا وبه تعلقا، وكانت عطايا المتوكل تنهمر عليه انهمار المطر فغدت شاعريته والهبت احاسيسه وتفتح بها معين الشعر في نفسه، ولم يمض وقت طويل على دخول ابن عبدون بطليوس حتى اتخذه المتوكل كبير وزرائه وصديقه الذي لا يكاد يفاؤقه في ظعنه او اقامته، ولم يكن عمل ابن عبدون اذ ذاك مقصورا على الشعر فقط وانما كان يكتب عن المتوكل رسائله الخاصة كذلك، ولا سك ان تقدير المتوكل لابن عبدون كان تقديرا قائما على الاعجاب بمواهبه الادبية فالمتوكل نفسه كان ادبيا كاتبا وشاعرا، ومع ان ماروي من شعره ونثره قليل الا انه يدل على جودة واصالة لا تقل عما نعرفه عن المعتمد بن عباد مثلا، بعث ابن عبدون الى المتوكل بقطيع خمر وطبق ورد وكتب اليه:
*) اليكها فاجتلها منيرة
وقد خبا حتى الشهاب الثاقب
واقفة بالباب لم يؤدن لها
الا وقد كاد ينام الحاجب
*) المرجح السابق ورقة424
*) المطرب من اشعار المغرب ص24_قلائد العقيان ص45