اصبح اليوم للاضاءة مكانها في عالم المسرح الحديث حتى ان فرقة المسرح الوطني الشعبي في فرنسا اخرجت رواية ﴿لورنجاسيون﴾ loranzation للفريد دي موسيه بطريقة الاظاءة التي استغنت بها عن المناظر ﴿الديكور﴾.
وهذا المثل ثاني من احدى الروايات السينمائية، لا أذكر عنوانها، ولا مؤلفها، ولكني اذكر موضوعها وحوادثها. امرأة شبقة جميلة رشيقة، رقيقة الشعور (هي الممثلة ريتايونج) متزوجة من رجل ذي شخصية شاذة، لان المرض اقعده في السرير، لا يتحرك من شدة ءالام اطرافه، فتحيطه الزوجة برعايتها، وتفني في تمريضه، وعندما تخرج لقضاء حاجات البيت، واستشارة طبيبه الشاب، تدور في رأس الزوج فكرة خاطئة وءاثمة حول سلوك زوجته مع طبيبه. وتبدأ الحركة الدرامية تشتغل، فهو يكتب تقريرا مطولا ليرسله الى محاميه يتهم فيه زوجته بانها تتأمر على قتله بالاتفاق مع طبيب العائلة الشاب. حتى يخلو لهما الجو، وانها كانت تناوله الحبوب المخدرة اكثر مما صرح به الطبيب بغية القضاء عليه!. ولكي يؤكد صحة دعواه اخذ هو نفسه يغافل زوجته، حين تخرج لقضاء حاجيات البيت، فينزل من السرير زاحفا، متألما، ويتناول الحبوب بزيادة!. ثم هو يسلم تقرير الاتهام الى زوجته داخل رسالة مغلقة، ويرجوها ان ترسلها الى البريد لانها رسالة تخص بعض شؤونه!. وتذهب الزوجة بحسن نية بالرسالة، وتسلمها لساعي البريد العجوز الذي كان مارا بالحي صدفة، وعندما تعود الزوجة الى البيت ويتأكد الزوج من انها سلمت الرسالة الى البريد، ينفجر بالضحك الساخر، ويخبرها بالحقيقة وان الريالة لم تكن سوى دليل موتها! فتصعق الزوجة وتخرج هائمة تبحث عن ساعي البريد لتسترد منه الرسالة!. وبعد ان تجده ترجوه ان يعيدها اليها، ولكنه يخبرها في سداجة ان القانون يمنع ذلك!. . وانه كان ولا بد من استرجاعها، فعليها ان تذهب وتتصل بمدير البريد مباشرة!. وتذهب اليه، ولكن المدير يشرح لها سلسلة من الاجراءات القانونية تجعلها تيأس، وتعود الى البيت مذهولة من هول المفاجأة.، وعندما تصل الى مذخل البيت تسمع طرقا على الباب ويفاجئها ساعي البريد فيناولها الرسالة في كل بساطة، والتي لم يكن قد ذهب بعد بها الى البريد. . وهنا تتجلى روعة الطبيعة الانسانية، وعبقرية المخرج في هذه اللقطة الخالدة في الفيلم كله، فقد امسكت البطلة الرسالة في ذهول، ولم تصدق ما تراه، فاسندت مؤخر رأسها الصغير على الحائط، وصدرها يتنفس، واستسلمت لنوبة من الشهيق الممزوج بدموع الفرح، والالم، والانتصارات الانسانية على الظلم والفرح، ولم تفه بكلمة فلم يكن هناك ما يقال. . ولان الكلمات في مثل هذه اللحظة لا يمكن ان تؤدي رسالتها. . وهنا تقوم الانفعالات المعبرة على الوجه بجانب المؤثرات الصوتية، والموسيقى التعبيرية التي عملت عملها النثير. . هنا كما قلنا من قبل تظهر اهمية القيم الفنية الخارجية، التي يؤدي تظافرها الى اعطاء النص الادبي حيويته يتسم عن طريقها التمثل الحي للادب. .
وهذا مثل ثالث وهو الاخير، من رواية ﴿الاصابع الخمسة﴾ والحوادث في هذا الفيلم واقعية، حدثت اثناء الحرب العالمية الاخيرة للسفير البريطاني في تركيا، فقد استغل خادمه ﴿شرشون﴾ ثقة سيده فيه، وبدأت تسول له نفسه ان يعمل في الخفاء لخيانة سيده من اجل الثراء بسرعة. فنجده يتصل بالسفارة الالمانية في تركيا ويخبرها انه مستعد بأن يزودها بالوثائق الحربية البالغة الخطورة مقابل ثمن. وهكذا اخذ يعمل في نصف الليل، عندما يكون سيده قد نام، فيذهب الى مكتبه، ويفك رموز مفتح الخزانة الحديدية، ويصور المستندات بئالة تصوير دقيقة كأصبع اليد!. ثم يضع كل شيء في مكانه.، وفي النهار يتصل بالسفارة الالمانية، ويسلمها الوثائق، ويأخذ الثمن بأوراق المارك الالماني!. الى ان جمع ثروة طائلة، وسافر الى امريكا الجنوبية قبل ان يفتضح وليعيش في النعيم الذي كان يحلم به.، وينزل في افخم فندق في المدين. . وهنا تنكشف له الحقيقة، حينما يطرق البوليس عليه الباب ليقبض عليه لان اوراق المارك التي يروجها مزيقة!. وفي لحظات انهارت احلامه، ولم يفه بكلمة!. لانه لم يكن هناك ما يقال!. بل يعثر اوراقه المالية في الهواء!. وانفجر في نوبة من الضحك المثير، الضحك الممزوج بالمرارة والخيبة، وسخرية القدر!. وكانت لقطة خالدة تنبئ عن عبقرية المخرج، فلم يكن في مقدور الكلام ان يصور هذا الموقف الانساني بهذه الروعة التي قامت بآدائها المؤثرات
اعود فأقول، ان النص الادبي لم يعد اليوم كلمات سوداء مطبوعة على الورق، بل اصبح مخلوقا اجتماعيا، اصبح هو الحياة نفسها.
الرباط_عبد القادر السميحي