تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحديثة وتعالج المشاكل الاجتماعية المعاشة. وهكذا ارتفعت اصوات النقد من جديد، حول مقدرة الشعر بقيوده الرصينة على تصوير الحياة الواقعية الحديثة، وهل في مقدور الشعر ان يجازي طبيعة المسرحية النثرية، بما وصلت اليه من شيوع ومرونة، ويسر، وطواعية في الاداء، والتعبير عن شتى الحالات النفسية الانفعالية. ومهما يكن من شأن هذا الخلاف، فالذي يعنينا نحوه، وهو ان قراءة مسرحية العزيز، وهي مطبوعة في كتاب، تختلف قيمتها الادبية باختلاف وسائل الاداء والعناصر التأثيرية والقيم الجمالية التي تتوفر على خشبة المسرح او الاذاعة، فهناك فرق بين الوضعين لان المؤثرات الصوتية، والالقاء باصوله الفنية، والغناء، والالوان والمناظر، والاضواء والظلال والحركات والانفعالات كل ذلك بالنسبة الى الاذاعة، فقراءة القصة او الشعر عن طريق الاذاعة تصاحبها اليوم موسيقى تعبيرية، الى جانب عنصر الالقاء الفني والمؤثرات الصوتية.

واما النص الادبي في الرواية السينمائية، فانه يختلف اختلافا بينا عن طبيعة النص الادبي في الكتاب او الاذاعة، لان السينما بامكانيتها المادية الضخمة، ومجالها الواسع في الحياة والابعاد الزمانية والمكانية التي تشغلها، تجعل اداءها يتسم بطابع خاص، يتمشى وطبيعة الحياة!. . فالزمن في الرواية السينمائية يطوى في ساعتين، وان كان يشمل حياة الابطال، وهم في سن الطفولة، وينتهي وهم شيوخ في بعض الاحيان، ولهذا فان للسينما طبيعتها في اخراج النص الادبي ليشهد الحياة. فالمخرج لو اراد ان يصف لنا طبيعة الشخصية مثلا شاذة، متصفة بالقساوة، وعدم المبالاة في هذه الحالة، لايلجأ المخرج الى عملية الراوي القاصي، وهو الوصف فيقول مثلا عن هذه الشخصية انها قاسية القلب تتعدى بالضرب المؤلم على الصغر الابرياء، ولا يسلم من اذاها الحيوان الضعيف الوديع، ولكن المخرج لكي يشعرنا بطبيعة الشخصية ذات المزاج الحاد، يلجأ الى لقطات صامتة، تشعرك في الحال بطبيعة الشخصية، كان يظهر هذا الشخص، وهو يدوس بقدمه تعمدا على ذنب قطة او يجذب في عنف عش طير، فيهوى على الارض، بما فيه من افراخ صغار، لاتزال ترتعش لحداثة ولادتها. فالوصف هنا بالكلمات لا يكون له موضع للنفاذ في بعض الاحيان، لان هناك مواقف انسانية يعجز فن القول عن التعبيرعنها. . هنا فقط تقوم ﴿الكمرا﴾ او الموسيقى التعبيرية، او المناظر باضوائها وظلالها بعملها التأثيري المطلوب. ولتوضيح هذه النظرية نعرض لثلاثة امثلة حية تصور لنا مدى تأثير بعض العناصر من القيم الفنية والجمالية على طبيعة النص الادبي الصامتة، وكيف ان الكلمة تفقد تأثيرها في بعض المواقف الانسانية وفي مئاسيها وافراحها، وضعفها وانتصاراتها وصراعها، حتى يمكن القول بوجاهة احدى نظريات علم الجمال القائلة، بانه ﴿ليس هناك شيء جميل في ذاته، وانما هو جميل في المجموع﴾!. . وان بعض القيم تضاعف التأثير بوجه عام. .

ومن امثلة رواية الاشباح ل ﴿ابسين﴾ فقد شاهدت تمثيلها في دار الاوبرا بالقاهرة. والحوادث فيها تصور لنا ان الجريمة الاخلاقية يتواثرها الابناء عن الاباء، وانها تخلق في دمهم. فالاب ﴿الكابتن الفنج﴾ يأثم في حق خادمته الشابة ويكون لهذا الاعتداء الاخلاقي ثمرته الآثمة، فتقلق زوجته الفاضلة مسز ﴿الفنج﴾ وترسل ابنها الصغير ﴿اوزفالد﴾ ليدرس في الخارج، حتى تبعده عن جو البيت الفاسد، ويعود الفتى بعد ان كبر الى البيت بعد ان مات والده. ويظهر المنظر التالي على المسرح: متكأ عريض في الوسط تجلس فوقه مسز ﴿الفنج﴾ وبجانبها القس صديق العائلة، وقد اخذا يتحدثان عن مستقبل ﴿اوزفالد﴾ وكيف انها كانت على صواب حين ابعدته عن جو الرذيلة، التي خيم ظلها على البيت، وتدور فجأة فترى ابنها يقبل الخادمة، ولم تكن سوى اخته من ابيه، تلك الثمرة الآثمة فتصيح الام: ﴿انها الاشباح ظهرت ثانية﴾!

ان المخرج لم يظهر الفتى، وهو يقبل الخادمة، بل اظهرباب الصالة الزجاجي الكبير، ولم يظهرهما الى العيان، وانما سلط عليهما الاضواء وراء باب الصالة وهما متعانقان في ركن الصالة المختفي، ولم يظهرلنل سوى ظلهما ممدودا على الحائط الذي ظهر من الباب الزجاجية، في هذا المثل نرى اثر عملية الاضواء والظلال في اعطاء النص الادبي كل هذه القوة، وهذه الروعة، التي كان يمكن ان تفقد اثرها، لو ان المخرج اظهر المنظر مجسما امام جمهور المشاهدين. فالجديد هنا هو الاخراج. . هو عنصر الاضواء والظلال. .

المخرج تمثل النص الادبي في عمق، وجعله ينبض بروعة الحياة، ومع هذه الحياة اثارة، وتحليل للطبيعة الانسانية في ضعفها وقوتها. وقد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٧٨