تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص41

التكاملية في الأدب

للأستاذ: عبد القادر السميحي

الادب ليس الا التعبير عن طبيعة الاشياء في صورها الحالمة، او التعبير عن الحقيقة كلها!. . وانه لذلك، وبصفته كائنا حيا يتجاوب وطبيعة النمو، ونموه يتمثل ويتم دائما عن طريق تعدد، وتجدد صور المرئيات البصرية، والمدركات المعنوية. وانه لذلك ايضا تعد عملية استقبال الصور البصرية، في مناحيها المختلفة، بمثابة عناصر الغذاء الضرورية لنمو الكائن الادبي، واستمرار نضارة الحياة فيه. .

والادب بهذه الصفة الحيلئية الانطلاقية يخضع بالضرورة لشتى حركات التجديد والتطور الثانوية في روح الحضارة. وعلى هذا الاعتبار اذا ما نحن قارنا مثلا صورة لبيئة فطرية ساذجة، مقوماتها الحسية حمار مربوط الى جذع نخلة، وكوخ قائم من القش، وكلب هزيل ينبح وشياه تجتر، وراع يترنم بنايه المثقب، وثلاثة احجار فوقها قدر كابية، وشاعر محدود الثقافة يستوحي فنه البسيط من جو هذه البيئة الجدباء، ويختلق حبه وحبيبته، واحلامه الجنسية المكبوتة من احلام الخيال. وله ذوق خاص في الجمال، فعيون حبيبته واسعة كعيون البقرة الوحشية، وطولها كالنخلة، وبطنها منبعج ﴿كالزبلين﴾ لدرجة ان شاعرا وصف امرأته بأنها تدخل البيت اليوم وعاجزتها في الغد!. .

شاعر بيئة كهذه، لا يمكن ان نقارن انتاجه الادبي بشاعر، او كاتب يعيش في جو حضارة القرن العشرين، ويطوي صدره على جانب خصب من الثقافة الانسانية، ويشهد الكلب، ولكنه في هذه المرة ليس مربوطا الى جذع نخلة، وانما هو يقود قمرا صناعيا يطوى به ابعاد الارض في لمح البصر!. . وهو كذلك يشهد معجزات الراديو، والتليفيزيون والرادار، وارسال الصور المطبوعة بالبرق الى الصحف العالمية في كل مكان من العالم في بعض لحظات .. وكذلك الاكتشافات الفيزيائية الذرية، والالات الالكترونية، ويشهد مسرحيات شكسبير، ودوستويفسكي والبير كامو، والروايات السينمائية بالالوان الطبيعية بآلة ﴿سكوب﴾ او ﴿السينيراما﴾ وعرض الباليه في الاوبرا، وكنوز لوحات الفن الخالدة في متحف ﴿اللوفر﴾ وروما، ويشبع حاجاته الجنسية، ويركب عربة شبروليت الفخمة، ويتناول فطوره في ﴿بكين﴾ وغذاءه في ﴿السويد﴾ وعشاءه في ﴿باريس﴾ ويعيش الحياة في عمق، في عالم مسحور، بالدهشة والافتتان!. .

على هذا الاعتبار، اذا ما نحن اردنا اليوم ان نقارن بين صورة متكاملة من صور الادب الحديث بجميع خصائصه الفنية، بمعطياته الوجودية، بمضامينه واشكاله، وبفلسفته الهادفة المعاشة والملتزمة، او غير العربي في ابعادها التاريخية، فان التفاوت سيكون كبيرا. . ومع ذلك كله، فان هناك بعض الادب يعطينا الحقيقة الانسانية كلها مهما بعد به الزمن وانبعث من قلب الصحراء الماتهبة!. .

كيف نستقبل النص الادبي؟

لقد مر النص الادبي بمراحل تطورية. فقبل ظهور الكتابة سواء على الحجر، او الجلد والاوراق، كان الانسان يستقبل الكلمات عن طريق حاسة السمع فقط بالرواية والحفظ، ومع ظهور الكتابة التي دون بها افكاره على الورق، بدأ الانسان يستقبل النص الادبي عن طريق حاسة السمع والبصر ايضا. .

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٧٦