تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما اسار الى ذلك السيوطي في البغية، ومنها ﴿الكافية﴾ ثم ﴿الالفية﴾ التي اختصر فيها الكافية والتي ظلت على مر العصور مدار دراسة النحاة يضعون لهل الحواشي والشروح ربما لما فيها من تنظيم للقواعد وتنسيق في الاحكام.

ولا نريد ان نذكر ابن مالك دون ان نشير الى معاصره ﴿شيخ النحاة﴾ ابو حيان الجياني الذي غادر الاندلس الى بلاد الشرق (*) حيث قابل ابن النحاس في القاهرة واخذ عنه وخلفه في استاذية النحو، وذكر السيوطي في البغية لدى ترجمته انه التزم الا يقرئ احدا الا في كتاب سيبويه او التسهيل او مصنفاته، وبلغ من انتصاره لامامه البصري ان وقعت بينه وبين ابن تيمية مسألة نقل فيها ابو حيان شيئا عن سيبويه، فقال ابن تيمية: لقد اخطأ سيبويه في ثلاثين موضعا من كتايه، فاعرض عنه ابو حيان واخذ يرميه بكل سوء وكان من قبل يعظمه.

وذكر السيوطي كذلك انه هو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غوامضها، ومن مؤلفاته ﴿التنخيل في شرح التسهيل﴾ و ﴿الاسفار﴾ شرح فيه سيبويه، و ﴿التجريد لاحكام كتاب سيبويه﴾ و ﴿المبدع في التصريف﴾ و ﴿غاية الاحسان في النحو﴾ و ﴿اللمحة الشذرة﴾ و ﴿عقد اللآلي في القراءات﴾ و ﴿نحاة الاندلس﴾ و ﴿نهاية الاعراب في التصريف والاعراب﴾ و ﴿شرح الشذا في مسألة كذا﴾ وقد ذكر لي أستاذي الجليل الدكتور شوقي ضيف انه يقع في حوالي ثمانية مجلدات مخطوطة بدار الكتب المصرية، وانه يعتبر الاصل الذي رجع اليه السيوطي في ﴿جمع الهوامع﴾ بل يرى ان كتاب السيوطي هو تلخيص لكتاب ابي حيان، هذا الى جانب تفسيره المحيط وكتب كثيرة الفها في نحو الفارسية والتركية، واغلب الظن انه لم يصل الينا من هذه الكتب غير تفسيره الذي تبدو فيه عناية واضحة بالتوجيهات والمسائل النحوية.

ولن ننتظر كثيرا بعد ابي حيان لنرى الوطن الاندلسي يسلب من اهله ويستولي النصارى عليه، فيغادره كثير من رجال العلم، وكان فيهم غير قليل من النحاة، ليستقروا في المغرب الاقصى ويقيموا فيه نهضة علمية اصبح بفضلها ولا زال مركزا من اهم مراكز دراسة النحو، وليس معنى هذا ان المغرب لم ينجب نحاة من قبل اذ يكفي ان نذكر ابا موسى الجزولي المتوفي سنة607هـ صاحب المقدمة المشهورة باسمه والتي الفها املاء على جمل الزجاجي والتي كانت لاهميتها مدار عناية العلماء الذين وضعوا لها الشروح العديدة، ونذكر محمد بن هشام المتوفي سنة570ه صاحب كتاب ﴿الفصول والجمل في شرح ابيات الجمل﴾ و ﴿شرح فصيح ثعلب﴾، او نذكر محمد بن اجروم الصنهاجي المتوفي سنة 723هـ صاحب المقدمة المشهورة باسمه، لتظهر لنا مكانة المغرب المرموقة في علم النحو العربي قبل سقوط غرناطة ووفود علماء الاندلس عليه.

وبعد، فهذه مناهج للدراسة النحوية عند علماء الاندلس حاولت في هذه الصفحات القليلة ان ابرز معالمها بالرغم من الصعوبات التي تعترض الباحث في هذا الموضوع والتي ترجع في اغلبها الى قلة المصادر، ولعلنا لا نستطيع ان تقول ان هناك مدرسة اندلسية في النحو تقف الى جانب مدرسة الكوفة والبصرة وان كان الاندلسيون قد اصطنعوا السماع والنقل ولاثر معتمدين على القراءات مبتعدين عن القياس، فهم كوفيون تارة وبصريون تارة اخرى وهم بين هذا وذاك مرات كثيرة.

وربما كان الاندلسيون بحكم اعجمية بلادهم اكثر حاجة الى دراسة نحوية حرة تصنع قواعد قياسية لتنظيم اللغة وتقنينها ولو على حساب بعض الشواذ، ولكنهم ساروا حسبما كان يميله عليهم مزاجهم الذي كان ميالا الى الاخذ حتى بالشواذ في غير كثير من حرية التصرف، ومااحوج لغة واسعة كاللغة العربية الى مثل هذه الحرية لتنظيمها وحصر قواعدها وتصفيتها من الشوائب وحمايتها من الاضطرابات خاصة في بيئة اعجمية كالاندلس.

باريس-عباس الجراري

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٧٥