تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الفترة لم تتضح بعد معالم دراستهم ولو حتى في التحيز الى مدارس الشرق فهم يدرسون الكسائي الكوفي، وسيبويه البصري، ويشرحون كتبهما في غير تعصب لهذا او ذاك.

ولكنا لا نصل الى القرن السادس والى عصر الموحدين حتى نقابل ثورة عارمة ضد الشرق تدعو الى نبذ مذاهب الفقه بما فيها مذهب مالك، والى الاخذ بظاهر الكتاب والسنة، وقد حمل لواء هذه التورة الظاهرية الخليفة الموحدي يعقوب بن يوسف الذي (امر باحراق كتب المذاهب بعد ان يجرد ما فيها من حديث رسول الله والقرآن) (*) قصده من ذلك (محو مذهب مالك وازالته من المغرب مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث).

والحقيقة ان الموحدين كانوا يسعون الى اخضاع العالم الاسلامي لسيطرتهم، خاصة وانهم لم يكونوا راضين عن سلوك العباسيين والفاطميين في الشرق، فتسموا بالخلفاء وجعلوا من مراكش عاصمة تضاهي مدينة السلام، ووصلوا في فتوحاتهم الى حدود مصر، والدعوة في واقعها ثورة على المشرق تحاول في عنف رد بضاعته اليه، سواء في الفقه او في غيره من فروع الثقافة، وكان رافع لواء هذه النزعة في النحو قاضي القضاة ابو العباس احمد بن مضاء القرطبي المتوفي سنة592هـ، فقد الف ﴿المشرق في النحو﴾ و ﴿تنزيه القرآن عما لايليق بالبيان﴾. وبالرغم من ان الكتابين لم يصلا الينا فقد رجح الدكتور شوقي ضيف (*) انهما ضد النحو المشرقي الفهم ابن مضاء معارضة لعلماء المشرق وآرائهم في النحو، اما الكتاب الذي وصلنا والذي تظهر لنا من اولى صفحاته حملة ابن مضاء على النجاة المشارقة فهو ﴿كتاب الرد على النحاة﴾ الذي دعا فيه الى الأخذ بظاهر النصوص والابتعاد عن جدل المناطقة والفلاسفة، معتمدا على اربعة آراء.

اولا: الغاء نظرية العامل لفظيا كان او معنويا، وذلك مثل ادعاء النحاة من {ان النصب والخفض والجزم لا يكون الا بعمل لفظي، وان الرفع فيها يكون بعامل لفظي ومعنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا، ضرب زيد عمرا، ان الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمر انما احدثه ضرب (*) وهو في هذا يهاجم البصريين الذين يذهبون الى ان الفاعل مرفوع بالفعل، والخبر بالمبتدأ، وهذا بالابتداء، وفي رأيه (ان العمل من الرفع والنصب والجر والجزم انما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره)، وفي استدلاله على فساد هذه النظرية يشير الى العوامل التي يحذفها النحاة ويقدرونها ليبين فساد تاويلاتهم وبطلان تقديراتهم خاصة بالنسبة للقرآن، كما يشير الى الضمائر المستترة وفساد تقديرات النحاة فيها، والى ضمائر التثنية والجمع فيرى انها ليست ضمائر كما يزعم النحاة، وانما هي علاقات تدل على التثنية والجمع كما تدل التاء الساكنة على التأنيث، ثم يعقد ابن مضاء فصلين عن التنازع والاشتغال ليبين (ماتجره نظرية العامل من رفض بعض اساليب العرب يضع النحاة مكانها اساليب لا تعرفها العربية) (*) ولم ينس في ختام حديثه عن الغاء العامل ان يتعرض لفاء السببية وواو المعية وما يذهب النحاة اليه من ان الفعل المضارع بعدهما منصوب بان محذوفة، غايته اظهار فساد نظرية العامل وتقديراتها الغامضة.

ثانيا: الغاء العلل الثواني والثوالث، وان كان يعترف بضرورة الابقاء على العلل الاولى، ومن الامثلة على ذلك في الفاعل مايسوقه النحاة من ان كل فاعل مرفوع، وهي علة اولى وضرورية ولكنهم غالوا في التعليل، فقالوا ان الفاعل رفع للتمييز بينه وبين المفعول به، وزادوا علة اخرى فقالوا ان الفاعل رفع لقلته والمفعول نصب لكثرته، وما دام الرفع ثقيلا والنصب خفيفا فللقليل الثقيل وللكثير الخفيف.

(*) المعجب ص 157.

(*) في مقدمة لكتاب «الرد على النحاة» لابن مضاء ص 12.

(*) كتاب الرد على النحاة ص 58.

(*) نفس المصدر

(*) كتاب الرد على النحاة ص 27.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٧٣