وذلك ان المؤدبين انما كانوا يعانون اقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها وتقريب المعاني لهم في ذلك، ولم يأخذوا انفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها والاعتلال بمسائلها، ثم كانوا لا ينظرون في امالة ولا اغام ولاتصريف ولا ابنية، ولا يجيبون في شيء منها حتى نهج لهم سبيل النظر واعلمهم بما عليه اهل هذا الشأن في المشرق من استقصاء الفن بوجوهه واستيفائه على حدوده (*).
وهنا لا نغفل الاشارة الى ظاهرة كان لها اثرها في منهج الاندلسيين العلمي الا وهي اخذهم بمذهب مالك ونبذهم لمذهب الاوزاعي الذي كان عليه اقليم الشام، والذي ساعد على انتشاره اول الامر ان كان اغلب الوافدين على الاندلس من اهله، وبالرغم عما قيل من ان السبب في هذا التحول راجع الى النقص الذي كان يحسه الاندلسيون تجاه المشارقة والى الرغبة في مخالفتهم، فان السبب الحقيقي يكمن وراء العلماء الذين درسوا مذهب مالك بالشرق، وسعيهم الحثيث في نشره بعد ان عادوا الى بلادهم، ثم الى طبيعة المذهب نفسه، فهو مذهب لا يعتمد على المنطق والقياس بقدر ما يعتمد على النص والنقل، وهذا يوافق مزاجهم الذي ينفر من الفلسفة والتفريع ويتمسك بالثر والرواية، فهم كما قال القدسي في احسن التقاسيم: (لا يعرفون الا كتاب الله وموطأ مالك فان ظهروا على حنفي او شافعي نفوه وان عثروا على معتزلي ربما قتلوه).
ولعل انشاء اول مدرسة للعلوم اللسانية كان بعد وفودالقالي الى الاندلس سنة340هـ حيث اخذ يقرئ اماليه محاولا بواسطة نصوصها الادبية تعليم اللغة والنحو، وليس ابو علي بدعا في هذه الطريقة فمثله فعل المبرد في كامله والمرتضي في اماليه.
ولم يكتف القالي بتطبيق قواعد النحو على اماليه، بل زاد على ذلك فألف رسالة عن ﴿المقصور والممدود﴾ واخرى عن الافعال عنوانها ﴿فعلت وافعلت﴾، وفي هذه الفترة نجد عالما اندلسيا آخر كان له باع في كثير من فروع الثقافة هو ابو بكر محمدبن القوطية المتوفي سنة367هـ، يسير على نفس النهج في مبحث الافعال فيؤلف ﴿المقصور والممدود﴾ و ﴿تصاريف الافعال في اللغة﴾ وهي كتب روى اغلبها ابن القطاع وكانت له بمثابة المعلم في هذا الباب افاد منها كثيرا في تآليفه.
ولاحقيقة اننا في هذه الفترة من تاريخ الاندلس العلمي لا نستطيع ان نتبين معالم بارزة لدراسة النحو بالرغم من ميل الاندلسيين الواضح الى منهج السماع وتتبع القراءات، فهم لا زالوا عالة على المشارقة يهتمون بمصنفاتهم ايما اهتمام، يدرسونها لطلابهم ويشرحونها في كتب لم يصل الينا منها غير القليل، وربما ان حاولوا التأليف صاروا على مناهجها في كثير من التقدير والاعجاب، فأبو الحجاج يوسف بن عيسى المتوفي سنة475هـ يشرح كتاب سيبويه.
وعبد الله بن محمد البطليوسي المتوفي سنة 521هـ يضع شرحا لجمل الزجاجي تحت عنوان ﴿الحلل في شرح ابيات الجمل﴾ كما يضع نقدا لها يسميه ﴿اصلاح الخلل الواقع في الجمل﴾ الى جانب تأليف له هو كتاب ﴿المسائل المنثورة في النحو﴾ (*)، وابن سيدة الضرير المتوفي سنة 458هـ يؤلف في النحو كتاب ﴿العالم والمتعلم﴾ ويشرح كتاب الاخضر (ويغلب ان الاخضر هو علي بن فضل الذي توفي في بغداد سنة314 (*) هـ) ولا نريد ان نترك هذه الفترة دون ان نشير الى ابي بكر الزبيدي صاحب الطبقات المتوفي سنة379هـ فقد الف كثيرا من الكتب المهمة في النحو منها (الواضح في النحو) و (ابنية الاسماء) و (لحن العوام)، والزبيدي وان لم يسر على منهج الشروع في تأليفه النحوي فقد سار عليه في تأليفه اللغوي بوضعه مختصرا لكتاب ﴿العين﴾.
ومع ذلك فقد ظل الاندلسيون يشرحون مصنفات المشارقة حتى بعد هذه الفترة حيث نجد ابن خروف الاشبيلي المتوفي سنة 602هـ يشرح كتاب سيبويه وجمل الزجاجي، واذن فالنحاة الى
(*) الطبقات ص 335.
(*) ذكره السيوطي في البغية لدى ترجمته
(*) هكذا يقول المستشرق بالنثيا في «تاريخ الفكر الأندلسي» ص 185.