تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص36

ابحاث ومقالات: مناهج الأندلسيين في دراسة النحو

للاستاذ: عباس الجراري

كان لاقبال الاندلسيين على الاسلام اثر كبير في انتشار اللغة العربية حتى بين المسيحيين الذين كانوا فيها لغة الدولة والحضارة، وقد ساعد على ذلك اول الامر كثرة الوفود العربية التي كانت تهاجر من المشرق والتي كان اغلب اعضائها من رجال الدولة والجيش، ليس لهم من غاية غير ارساء قواعد الحكم العربي وحمايته من الثورات والنزاعات التي كانت تنشب حتى بين العرب انفسهم، ومع ذلك فقد كان لهم دور خطير في نشر اللغة بين السكان، خاصة وقد رافقهم بعض الصحابة والتابعين الذين كانوا الى جانب مهمتهم الاولى وهي الافتاء فيما يعرض للفاتحين من مشاكل تتصل بالغنائم والضرائب، يعلمون على تعليم الناس وتفقيههم في امور الدين الجديد وافهامهم كتاب الله وسنة رسول الله، فلم يلبث الاندلسيون وقد تغلغل الاسلام في قلوبهم، ان اتقنوا لغته واخذوا يستعملونها الى جانب لهجتهم العربية العامية واللغة الرومانية اللاتينية التي هي لغة السكان الاصليين.

ثم كان ان استقرت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل الامويين، فكثرت وفودهم على الجزيرة الجديدة، لاسباب ربما كان اهمها الفرار من العياسيين، وكان لاغلبهم علم واسع بالثقافة الاسلامية وخاصة ما يتعلق منها باللغة والدين فانشأوا مساجد كانت بمثابة المدارس والجامعات، اهمها مسجد قرطبة الشهير الذي لعب دورا علميا خطيرا ليس فحسب بالنسبة للاندلس والاقطار العربية المجاورة، وانما كذلك بالنسبة للبلاد الاروبية التي لم تكن قد عرفت بعد هذا اللون من التعليم.

ولعل الكتاب والسنة كانا مداري الدراسة في ظل هذه العملية الاولى، فهم يقرأون القرآن ويحفظونه ويحاولون تفسيره والنظر في قراءاته، وهم يهتمون بالحديث ويروونه ويشرحونه موفقين بينه وبين نص الكتاب في استنباط الاحكام، ثم هم من خلال هذا او ذاك يلجأون الى الشعر العربي واخبار الادب ربما لمجرد الاستشهاد على صحة قراءة او رواية، وزاد في انماء هذه النهضة الثقافية عودة البعثات الاندلسية الاولى التي كانت تتعلم في الشرق، والتي تتلمذ اعضاؤها على كثير من اعلام اللغة والدين في العراق والحجاز اوفى مصر والشام، فجودي بن عثمان النحوي المتوفي سنة198هـ قابل الكسائي والفراء وبعض اصحابهما، وهو اول من ادخل كتاب ابن الحسن، والغازي بن قيس المتوفي سنة 199هـ لقي الاصمعي والامام مالك، وكان يحفظ ووطاه، وهو اول من حمله الى الاندلس، كما ادرك نافع بن ابي نعيم وقرأ عليه، وصحح مصحفه ثلاث عشرة مرة (*) وهو اول من ادخل قراءته، والافشنيق المتوفي سنة 307ه لقي ابا جعفر النحاس وروى عنه كتاب سيبويه، ثم روي عنه بعد ذلك وقرأ عليه، وكان يعقد للمناظرة فيه مجلسا كل جمعة، وذكر الزبيدي انه (لم يكن عند مؤدبي العربية ولا عند غيرهم من عنى النحو كبير علم حتى ورد محمد بن يحيي عليهم

كما عند الزبيدي لدى ترجمته (*)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٧١