تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي عن ابن مسعود رضي الله عنه انه كان يقول: مالي لا العن من لعنه الله في كتابه_يعني الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة، فجاءته امراة_وقد قرأت جميع القرآن_فقالت: يا ابن ام عبد، تلوت البارحة مابين الدفتين فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة، فقال: لو تلوته لوجدته، قال الله تعالىLوما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وان مما اتانا به رسول الله انه قال: لعن الله الواشمة والمستوشمة.

واما ما جاء في سورة الانعام من هذه الأية الموضوعة الأن على بساط البحث_وهي قوله تعالىLمافرطنا في الكتاب من شيء) فالموضوع يختلف، والمقام غير المقام، وان ﴿الكتاب﴾ هنا يطلق على القرآن، وقد يطلق على غيره_كما يأتي قريبا_وكذلك قوله (من شيء) فانه في هذه الآية واردعلى حقيقته استغراقا وشمولا، لا يند عنه شيء، ولا يخرج منه اي شيء مما كان او يكون، في ظلمات البر والبحر، في السماء والارض وما بينهم وفيهما من رطب ويابس، كل شيء في (كتاب مبين) وهو اللوح المحفوظ المعبر عنه في آيات اخرى ب ﴿ام الكتاب﴾ وب ﴿امام مبين﴾.

وهذا الموضوع قد تكرر في القرآن مرارا في نحو عشرين آية باساليب مختلفة، والفاظ متقاربة، وكلها ضارب على وترة واحدة، ومورد واحد، والجميع مساق لبيان حقيقة واحدة من شؤون علم الله الغيبي، وقدره الازلي، وعلمه الشامل المحيط بكل شيء، وان مامن شأنه من كل ما كان وما يكون الا وهو مسطر عند الله في كتاب احصى فيه كل شيء من مقادير المخلوقات وارزاقهم وموالدهم، وآجالهم واعمالهم، ما قل وجل، ماطار ومانزل، مااستقر في الأرض وما سكن، ماظهر من الكون وما بطن، حتى ما انزله الله على انبيائه ورسله من سر وحيه، ومسطور كتابه، وكل منها في كتاب مكنون مصون محفوظ، اجلها واعظمها القرآن، آياته بينات، وكلماته مجليات، ولفظه واضح مشرق، يفسر بعضه بعضا في كثير من آياته واحكامه.

اليس قوله تعالى في سورة الأنعام (ومامن دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شيء)؟ هي نظير ما جاء في اول سورة هود (ومامن دابة في الأرض الا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) ومثلهما ايضا في سورة الانعام_مرة اخرى (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين).

اما ما استظهره الرازي من ان المراد بالكتاب: ﴿القرآن﴾ واحتج بان الالف واللام اذا دخلا على الاسم المفرد انصرف الى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن.

اقول: ان هذا ليس بصحيح، فكم من مرة جاء في القرأن ﴿كتاب﴾ معرفا كما قال، ومع ذلك يدل على شيء اخر مثل قوله تعالى: (قال اني عبد الله آتاني الكتاب) وقوله: يسألك اهل الكتاب) وقوله: (كان في الكتاب مسطورا) وقوله: (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها) وقوله ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ وقوله وان فريقا يلوون السنتهم بالكتاب، لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب} وقد تكرر الكتاب في هذه الآية ثلاث مرات، ولكل واحد معنى يخالف الآخر:

_فالاول_ماكتبوه بايديهم_ وهو المذكور في قوله تعالى ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم﴾

_والثاني_التوراة.

_والثالث_لجنس كتب الله، ومثله قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن ان يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ فانما اراد بالكتاب هاهنا: ماتقدم من كتب الله دون القرءان، الا ترى انه جعل القرءان مصدقا له.

وكذاك قوله: ﴿فالذين آتيناهم الكتاب﴾ اي القرءان وغيره بالحجج والعلم والعقل، وقولهLقال الذي عنده علم من الكتاب) اريد به: علم الكتاب، وقيل: علم من العلوم التي ءاتاها الله سليمان في كتابه المخصوص، وبه سخر له كل شيء.

وقوله: (وتؤمنون بالكتاب كله) اي بالكتب المنزلة فوضع ذلك موضع الجمع، لكونه جنسا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٦٤