دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص26
أضواء على آيات قرآنية
للأستاذ حسن البغدادي القادري
-3 -
البحث الثاني:
قال اللله عز وجل: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (سورة الأنعام، الآية28)، ان هذه الآية الكريمة وأمثالها مما سبق او يأتي ذكره في بحوثنا التي اخترنا ادراجها تحت العنوان اعلاه، وذلك من الأيات التي اشكل امرها والتبس فهمها على بعض المفسرين، فاختلفت فيها الاراء والانضار بالترجيح والتصويت، وتعددت المفاهيم، بالوجهين او الوجوه، وقد يتعدى تفسيرها من الواضح البين_الذي هو الحق والصواب_الى تفسيرين او اكثر مما تاتي به الروايات المختلفة، فترى بعضهم يقدم على الوجه او ذاك، مما يراه احدهم احق واولى بالتقديم والتصويت في حين يراه الأخر بالعكس، فيؤخر ما يستحق التقديم ويقدم ما يستحق التأخير او الرفض تصويبا واستحسانا، وذلك حسب تمكن المفسر وتعمقه في العلم والفهم، وما عنده من استعداد للبحث والاستطلاع، وقد يكون ذلك تبعا للميولات الخاصة من المشارب والمذاهب، وهذا شر انواع التفسير، واضرها بالعقل، واضلها للفكر، وبالاخص قاصر الفهم الذي لا يستطيع ادراكا ولا يهتدي سبيلا، وقد يفتتن هذا بالأشخاص المقلد رأيهم فيصبح من المقلدين الذين لا يهتدون ولا يرعوون.
ان هذه الآية الكريمة: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) لا يفهمها كثير من الناس_ان لم نقل جلهم_الا على احد الوجوه التي فسرت به الآية وعرفت به اديهم، من ان {الكتاب الوارد ذكره في هذه الآية هو الفرآن الكريم، حسب ما شاع وذاع، وتقرر في الأذهان منذ امد بعيد، وكذا قوله ﴿من شيء﴾ فالشيء عنده على حقيقته للاستغراق والشمول فيعلم كل شيء ولا يخرج عنه شيء، على ان صاحب هذا الفهم لو تأمل قليلا لكان هذا حقيقة (للكتاب المبين) الذي يراد به اللوح المحفوظ، لا للقرآن الذي يكون استغراق فيه مجازا كما جاء في قوله تعالى في سورة النحل (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء).
ولكنه هكذا فهم_وهو لا يريد ان يفهم ما سبق له ان فهم_فهو لا يبغي ان يحيد عنه ولا يريم ولو جئته بالأدلة الساطعة كالشمس، ولسان حاله ينشد:
أتاني هواها قبل ان اعرف الهوى
فصادف قلبا خاليا وتمكنا
حتى ان بعضهم يتكلف شططا فيرهق نفسه، ويجهد فكره واعصابه تمحلا ليجد في القرآن حتى اسم دابته وعلفها، حتى اذا لم تسعفه الألفاظ ذهب ليجدها بحساب ﴿الجمل﴾ الابجدي او يأخذ بعض الحروف من أوساط الكلمات وأطرافها عسى ان يعثر على ما يبتغي.
وقد يأخذ احدهم شيطانه فيتعمد انتهاك حرمة القرآن وقداساته، ليظهر للناس شطارته بانه يستطيع ان يجد كل شيء_او ما يبتغي على الأقل في القرآن من اسماء الناس والحيوان حتى اسم شخصيته المحترمة، واسم حاكمه المستعمر ليجد عنده حظوة.