تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البال، اذ من طبع الانسان الغفلة عن القيام بما يجب عليه لمن يحسن اليه، ويثوب الى عقله فيجد في علمه متى رأى من يحسن اليه، وعلم انه بحضرته. وبالقياس على هذا متى تنبه بان الله موجود_حتى لكأنه يراه بعين المشاهدة_جد في اتقان العبادة حقا.

الثاني: افترض ان الانسان لايرى ربه، فلا يجوز له ان يغفل عنه بان الله يراه، والطفل اذا علم ان اباه يراه احجم حتما عن كل مايشين، واجتهد في عمل ما كلفه به ابوه. والنفس الانسانية كالطفل تحتاج الى حوافز كما ترتاح الى المشجعات، ورؤية الله لعبده متحققة للمقامين، ولذا قال الامام النووي في شرح هذا الحديث: {هذا من جوامع الكلم التي اوتيها النبي (ص)، لاننا لو قدرنا ان احدنا قام في عبادته وهو معاين ربه لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على احسن وجوهها الا اتى بها. فقال صلى الله عليه وسلم: ﴿اعبد الله في جميع احوالك كعبادتك في حال المشاهدة﴾.وهذا موجود مع عدم رؤية العبد، فيجب ان يعمل بمقتضاه. فتقدير الحديث: فان لم تكن تراه فاستمر على احسان العبادة فانه يراك ...

وقوله: ﴿متى الساعة﴾؟

متى_لا يسال بها عن الذوات، وانما يسال بها عن الازمان، وعلى ذلك يكون التقدير: متى تقوم الساعة، اي: في اي وقت تقوم الساعة؟.

وجواب الرسول عليه السلام ﴿ما المسؤول عنها باعلم من السائل﴾ يدل على ان ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه، لقوله بعد ﴿في خمس لا يعلمهن الا الله﴾، ولكنه مع ذلك اخذ يبين العلامات التي تدل على قربها، فقال:

﴿وساخبرك عنا شراطها﴾ الاشراط: جمع شرط، والمراد بالعلامات الدالة على حينها، ثم بينها، فقال:

﴿ان تلد الأمة ربها﴾ وفي رواية ﴿ربتها﴾، والمراد بالرب: السيد والمالك، ولعل معنى ذلك احد امرين:

1) ان السبي يكثر، فيسبي الولد وهو صغير، فيعتق ويكبر ويصير مالكا، ثم تسبي الأم بعد ذلك، فيشربها ويستخدمها استخدام الجواري

2) ويجوز ان يكون المراد بالرب المربي، والمراد حينئد: حدوث مثل هذه الحالة المستغربة التي تدل على فسلد الاحوال وانعكاساتها، اي، ان الساعة يقرب قيامها اذا انعكست الامور، فصار المربي مربيا، والسافل عاليا، وهذا مناسب لذكره صلى الله عليه وسلم العلامة الاخرى:

﴿واذا تطاول رعاة الابل البهم في البنيان﴾.

البهم: جمع ابهم، وهو الأسود او المجهول النسب. وعلى ذلك يصح ان تكون وصفا للابل بالنسية للمعنى الأول، ويصح ان تكون وصفا للرعاة يالنسبة للمعنيين: مجهول النسب او الأسود.

ويمكن ان يكون البهم جمع بهماء وهي السوداء، وحينئد تكون وصفا للابل فقط، وفي رواية اخرى ﴿البهم﴾ بالفتح وهو لا يتمشى مع ذكر الابل في هذه الرواية، حيث قال: «رعاة الابل البهم} لان البهم جمع بهمة، وهي الصغير من اولاد الضان والغنم، وهو مما يضعف هذه الرواية، نعم يجوز الفتح اذا لم تذكر الابل، مما يتفق مع رواية مسلم {رعاة الشاء يتطاولون في البنيان».

قوله: «في خمس لايعلمهن الا الله} يريد انها مغيبة عنا، وقد جاء ذلك مصرحا به في رواية اخرى ﴿في خمس من الغيب﴾ وهذا يدل على انه لا مطمع لاحد في علم هذه الخمس، وهي المذكورة في قوله تعالى: {ان الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الارحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس باي ارض تموت، ان الله عليم خبير».

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٥٩