والايمان في حديثنا التصديق بوجود الله ووحدانيته وانه متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص، والايمان بالملائكة، التصديق بوجودهم، وانهم كما وصفهم الله عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون، اما لقاء الله هنا فيراد به الموت، كما يدل عليه في رواية لهذا الحديث ﴿وبالموت وبالبعث﴾ وحينئد لايكون في الحديث تكرار كما ظن بعضهم، حيث جعل اللقاء داخلا في مفهوم البعث، فيكون مذكورا صراحة ثم ضمنا.
والايمان بالرسل التصديق بكل ما يتعلق بهم من أمور الرسالة، فيشمل ذلك الايمان بأنهم رسل الله الى الناس، وان ما جاءوا به من تشريع انما هو من عند الله، وانهم صادقون فيما اخبروا به عن ربهم، اما مالا يتعلق بأمور الرسالة فليس مطلوبا هنا، فلا تجب معرفتهم باسمائهم الا اذا نص علسها.
قوله: ﴿وتؤمن بالبعث﴾ البعث هو القيام من القبور، أي تصدق بان الناس سيحيون بعد موتهم للحساب، وانما ذكر الايمان بجانب البعث هنا ولم يجعله من عطف المفردات، لأن المشركين كانوا شديدي الانكار له حتى جعلوه علامة لكذب الرسل، وقد ورد ذلك في القرآن كثيرا، كما في قوله تعالى: ﴿اذا كنا عظاما ورفاتا انا لمبعوثون؟﴾ الى غير ذلك ...
وفي رواية مسلم بدل ان تؤمن بالبعث ﴿وتؤمن باليوم الأخر﴾ وهذا اشمل، لان الايمان باليوم الأخر ينتظم الايمان بحدوثه وحدوث كل ما يقع فيه، فيشمل القيام من القبور والحساب والميزان والجنة والنار. وسيلق الحديث يدل بظاهره على ان الايمان لا يتحقق الا بالتصديق بكل الأمور التي ذكرت في الحديث انها من الايمان، مع ان الفقهاء اكتفوا باطلاق الايمان على كل من صدق بالله ورسله، فمن فعل ذلك قالوا عنه مؤمن، ولا تعارض في ذلك، لان الايمان بالرسول يشمل الايمان بانه صادق، وان ما جاء به من عند الله، فيدخل في ذلك جميع ما ذكر في الحديث من مقتضيات الايمان ...
وقوله: ﴿الاسلام ان تعبد الله﴾ الاسلام في اللغة الانقياد والادغان مطلقا، وشرعاالانقياد لله بقبول ما جاء به الرسول (ص) بالتلفظ بكلمة الشهادتين، والاتيان بالواجبات، والابتعاد عن المنكرات، والاسلامبهذا المعنى: اعمال قولية وهي الشهادة، وغير قولية وهي الصلاة والصيام والزكاة ... الخ ما ذكر في الحديث. وكما اطلق على دين الاسلام كله ايضا، بما في ذلك الايمان، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿ان الدين عند الله الاسلام﴾ وقوله: ﴿ورضيت لكم الاسلام دينا﴾ وقوله (ص) ﴿ذاق طعم الايمان من رضي بالله تعالى ربا، وبالاسلام دينا﴾.
ومن هذا نجد ان معنى الاسلام بالاطلاق الثاني يتفق مع ماقلناه في الايمان الكامل المنجي لصاحبه من النار، اما الاسلام بالمعنى الاول فهو العمل الظاهري.
وقوله: ﴿تن تعبد الله﴾ في رواية مسلم عن عمر ﴿ان تشهد ان لا اله الا الله، وان محمدا رسول الله﴾ بدل روايتنا_ان تعبد الله_وهذا يدل على ان المراد بالعبادة هنا النطق بالشهادتين.
وعدم ذكر الحج في اعمال الاسلام في رواية ابي هريرة لا يدل على لم يكن قد فرض في ذلك الحين، بل لانه نسيه او ذهل عنه. ففي رواية أخرى ﴿وان تحج البيت ما استطعت اليه سبيلا﴾.
والمراد بالصلاة المذكورة الصلاة المفروضة، وقد ورد تقييدها في رواية مسلم لحديث عمر حيث قال: ﴿والصلاة المكتوبة﴾ ويدل عليه حديث السائل للرسول عن الاسلام فقال له فيما قال: ﴿خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ فقال: ﴿هل علي غيرها؟﴾ قال: ﴿لا الا تصدق﴾، ثم ادبر الرجل وهو يقول: ﴿والله لا أزيد على هذا ولا أنقص﴾ فقال عليه السلام: ﴿افلح ان صدق﴾.
قوله: ﴿ماالاحسان﴾.يطلق الاحسان لغة على معنيين: احدهما يتعدى بنفسه، والثاني يتعدى بحرف الجر، ومراد حديثنا ﴿الاول﴾، لانه يرجع الى اتقان العبادة ومراعاة الله ومراقبته، كما يدل عليه جواب الرسول بقوله: ﴿ان تعبد الله كانك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك﴾ وجواب الرسول ينتظم مقامين لمراقبة الله في العبادة.
الاول: ان يعبد الانسان ربه متذكرا ان يرى ربه بقلبه حتى كانه يشاهده بعينه، ومن يتذكر هذا لايسعه الا ان يخلص في عبادته، باتمام الخشوع وفراغ