كذلك لم يذكر البخاري شيئا في حديثنا هذا مما كان عليه جبريل عليه السلام حين سؤاله الرسول، وكفى مسلما ذكر ذلك في رواية عبيد الله ابن معاذ العنبري، التي وصلت في الاسناد الى عمر،
حيث يقول: ﴿جلس الى النبي (ص) فاسند ركبته الى ركبته، ووضع كفه الى فخديه﴾
وعمل جبريل هذا مع النبي مما ينبه الى الأصفاء اليه، ويبالغ في اخفاء امره عند اصحاب الرسول حتى يشتد الظن انه من جفاة الاعراب، الذين لا يحسنون الدخول على الناس.
قوله فقال: ﴿ما الايمان؟﴾
الايمان في أصل اللغة مطلق التصديق بالقلب، وشرعا ورد بعدة اطلاقات:
1_فهو حينا يدل على أصل الايمان وهو التصديق القلبي، من غير تقييد بكونه مقرونا بالعمل، أي التصديق القلبي بما جاء به الرسول (ص) ﴿يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الايمان﴾ وكما في قوله تعالى ﴿ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ فان الحديث استعمل الايمان في التصديقالقلبي، والأيةعطفت الأعمال الصالحة على الايمان، فدل ذلك على ان الايمان غيرها، فهو التصديق دون تقييد بالعمل.
2_ وجاء حينا بمعنى الايمان الكامل، وهو المقرون بالعمل الصالح، كما في قوله تعالى ﴿انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، واذا اتليت عليهم آياته زادتهم ايمانا، وعلى ربهم يتوكلون﴾ وكما في قوله عليه السلام، اذ فال لهم ﴿اتدرون ما الايمان بالله وحده، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة ان لا اله الا الله، وان محمدا رسول الله، وايقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصيام رمضان، وان تعطوا من المغنم الخمس﴾.
3_وحينا يطلق الايمان ويراد: العمل، كما في قوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع ايمانكم﴾ فقد انعقد الاجماع على ان المراد بالايمان الصلاة، والايمان الكامل الذي هو التصديق والعمل هو الذي ينجي صاحبه من دخول النار، لقوله تعالى: ﴿ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا، كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين﴾
وأما أصل الايمان فهو يدخل الجنة ويمنع صاحبه من الخلود في النار، كما يدل عليه حديث ابي ذر ﴿مامن عبد قال لا اله الا الله، ثم مات على ذلك الا دخل الجنة﴾ قلت: وان زنى وان سرق! قال: ﴿وان زنى وان سرق﴾.وقوله عليه السلام ﴿يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الايمان﴾ وعلى هذا يكون المراد للذين قالوا: ان الايمان مجرد التصديق الايمان الذي يمنع الخلود. أما الذين قالوا: ان العمل ركن من أركان الايمان فمرادهم الايمان الكامل، أي التصديق القلبي والعمل الصالح، وأما الذين يعملون أعمال المؤمنين ولكنهم لا يعتقدون ولا يصدقون يقلوبهم فهم المنافقون، الذين أخرجهم الله من زمرة المؤمنين، وهم الذي ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا ... الأية﴾ غير ان هذا الايمان القلبي لا يمكن معرفته الا بدليل يدل على حصوله، وقد بين لنا الرسول (ص) هذا الدليل بقوله: ﴿امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله، فاذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم، الا بحقها، وحسابهم على الله﴾ ومن هذا نرى انه جعل الاقرار باللسان شرطا لاجراء احكام الايمان عليه، اذ الاصل في الأحكام ان تكون مبنية على الأمور الظاهرة، اذا كانت أسبابها الحقيقية خفية لا يمكن الاطلاع عليها ...
وعلى هذا يحكم بايمان من يتلفظ بالشهادتين، سواء كان قائلها مصدقا بقلبه، ام لم يكن كذلك بالنسبة لاجراء الاحكام عليه، ولذلك نجده عليه السلام قد قال لاسامة حين قتل من قال: لا اله الا الله، معتذرا بانه لم يقلها عن عقيدة (هلا شققت عن قلبه)؟
اما بالنسبة لما يكون في الأخرة من خلود في النار او عدمه فيرجع الى معرفة الله بحقيقته، ولذا قال عليه السلام: ﴿وحسابهم على الله﴾.
وحينئد نرجع الى بيان الايمان في حديثنا، فنجد انه الايمان القلبي الذي هو اصل الايمان، ويدل على ذلك جواب الرسول عليه السلام لجبريل.