بالزمان المطلق الذي نقيسه بحركات الأجرام السماوية. فالمكروب يتوالد ويتكاثر في ساعة واحدة. أما الانسان فلا يتناسل الا في سنين عديدة. وذبابة مايو لا تستطيع ان تقيس الزمان تحت الماء. لكن كل جيل من نسلها يعيش في حياة سعيدة تحت الشمس. هل يمكن ان يكون العلماء على صواب في قولهم، اننا اذا صرنا الى دار الخلود سنقيس الزمان بالحوادث، لا بالفلك؟.
والأسماك في البحر لها وقتها الذي تضع فيه بيضها، ولكنها في ذلك انما تطيع قانون الطبيعة، ولا تعرف لماذا ذلك. والزرع والحصاد لهما وقتهما، وقد تحصد مساحات شاسعات من الزرع، اي يحين وقت حصادها في يوم واحد. اما الأشجار فلا تثمر الا بعد مضي سنين عديدة على غرسها. وحاقاتها السنوية تسجل اعمارها.
وقد وجد ان بعض الصراصير تصر مرات معلومة طبقا لدرجات الحرارة، وقد احصيت مرات صريرها بدقة، فوجد انها تسجل درجات الحرارة مع فرق درجتين. وقد روقب صرصور لمدة ثانمية عشر يوما فوجد انه يبدأ اغنية حبه او فرحه كل يوم قبل الساعة الأصلية بخمس دقائق. وهناك نوع من البط في قناة باوربا يجيئ بانتظام الى جسر لأجل الغذاء كل يوم في ساعة معينة ويضرب جرسا قد أعد له. والطير لها وقتها الذي تطير فيه من الشمال الى الجنوب، وكل فرد منها يلتحق بسربه في الوقت المعلوم، ثم تطير كل سنة في يوم يكاد يكون محددا معلوما. وذباب مايو يخرج من البحيرات فيطير طيران العرس، وتسقط منه ملايين ميتة في الشوارع في اليوم نفسه.
والجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة في (نيوانكلاند) يعيش في غيران تحت الأرض، حيث يقيم في الظلام مع تغير قليل في الحرارة، ويظهر بملايين في شهر مايو من سنته السابعة عشرة، وقد يتخلف بعض المتعثر منه عن سائره بالطبع، ولكن اكثره يتم نموه في تلك السنوات المظلمة، ويضبط يوم ظهوره بدون سابقة ترشده الى ذلك.
ودودة البوصة تدب بانتظام عظيم من مكان الى ءاخر، ولو استطاعت ان تقيس الوقت والمسافة بعدد قفزاتها. ولكن لا حاجة بها الى أن تقيسهما. فلا تضحك من قفزتها، لاننا معشر البشر نقيس المسافة بالقدم، (وانما نسبت الى البوصة لأن كل قفزة من قفزاتها بقدر بوصة).
كل حي على العموم يراقب الزمان ويسجله بالعمل، ولكنه لا يبدي دليلا على توقيت واع، ويظهر ان الفصول الأربعة، ودرجة الحرارة، والنهار والليل، والمد الفائض، كلها ضوابط لاطراد الحياة، وقد اوجد التطور عادات لقياس الوقت بغير شعور، وهي تعمل بطريقة اوتوماتكية كنبضات القلب والهضم. وكثير من الناس يعتاد ان يستسقظ في ذلك الوقت بالضبط بدون ساعة منبهة، وسواء انام في الوقت. وقد أضاف الانسان الزمان الى المادة التي لازمان لها. والزمان لا يمكن وزنه ولا تحليله. فهو بالنسبة الينا يتعلق بهذه الأرض وحدها؛ ومقاييسنا للزمان يمكن ان لا يكون لها تعلق بالعالم في مجموعة، ولكن الزمان يملي علينا دوافع بدون شعور منا، وقد بلغت هذه الدوافع في القوة الى الى حد انها تتحكم في كل كائن حي. والانسان من حيث هو حيوان ليس له شعور خاص بالزمان، ولكنه يستطيع ان يضبط الى حد محدود اثر الزمان في دوافعه. فالانسان البدائي لا يستطيع ان يخبركم كم عاش من الزمان الا بمقارنة الحوادث. فالاعداد بالنسبة اليه تدل على قليل او كثير لا يميز بينهما. اما لانسان العصري فقد ينسى مثلا ايام ذكرياته السنوية، ولكن زوجته لا تنساها، فهل المرأة مرتقية اكثر من الرجل ام تطالع التقاويم خفية؟ لا هو ولا هي يستطيعان ان يحددا اليوم الرابع والعشرين من مايو بعد سبع عشرة سنة كما يفعل الجراد في الظلام.
تعليقات:
1) قوله ان الزمان لا أهمية له بالنسبة الى العناصر، وهي الذرات التي تتألف منها الأشياء، هذا مبني على رأي الفلاسفة وغيرهم من العلماء الذين يقولون، ان المادة لا تنفي، وانما تتحلل لتتركب من جديد وتكون شيئا ءاخر. وكان ابو العلاء المعري على هذا الرأي، وقد صرح بذلك في قصيدته الدالية التي يقول فيها:
صاح هذي قبورنا تملا الأر
ض فأين القبور من عهد عاد