دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص14
دراسات اسلامية: الزمان
بقلم الدكتور تقي الدين الهلالي
-18 -
الكلام في الزمان وما أودع الله فيه من الأسرار، هو الفصل الثالث عشر من كتاب (ليس الزمان مهملا) قال مؤلفه: ان العلم التم بوجود الزمان خاص بحياة الحيوان. والانسان وحده هو الذي يقيسه ويوزعه. والعناصر التي تتألف منها الأشياء كلها من النادر ان تتغير على مر الزمان. وقد تتألف العناصر الكيمائية او تتفرق، غير أن الزمان وان كان ضروريا لانجاز تغير كيميائي، فلا أهمية له بالنسبة للذرات. ومع ذلك نرى عصا من الديناميت تتحول من مادة صلبة الى غاز في جزء من خمسة وعشرين الف جزء من الثانية، ولكن الذرات لا تتغير.
يمكن ان يرتفع جبل من مكانه ثم يتفتت ويصير هباء منثورا، ولكن الذرة المحبوسة في قلبه لا تنتظر بقلق الوقت الذي تتحل فيه الصخرة لتخرج من سجنها وتصير حرة، ولو ان الكتروناتها تدور كالمغزل في افلاكها على الدوام. ان كامرتك تلتقط الصورة في جزء من مائة جزء من الثانية باهتزاز قدره الف وثمانمائة ميل في الأثير الفضائي لاحداث التغير الكيمائي. وهكذا تسجل الأفلام بالالوان كل ما في المنظر من جمال. فالذرات تهنز ويعاد تنظيمها ولكنها لاتتغير.
ويظهر ان الأشياء الحية تقيس الزمن، غير ان الجمادات الخالية من الحياة هي التي تسجله. ان مياه الأنهار الجليدية التي سالت بعد ما ذابت في العصر الجليدي قد تركت طبقات من الصلصال تدل على كل سنة مضت على مراتب درجات الحرارة التي كانت سائدة في ذلك الزمان، وكذلك الطبقات الكلسية التي تتكون في سقوف الكهف. والطبقات التي تعلو ارضها من الرواسب باشكال مخروضية تفعل مثل ذلك لمائة الف سنة واكثر، ولكنها لا تدري ماذا صنعت.
ان الراديوم والرصاص تتغير نسبهما في الصخور الصم فتخبر بمليون من السنين منذ استقرار الأرض، ولا تفكر في الماضي اصلا. ولا تستطيع الكائنات الحية ان تدرك كنه الزمان، لان الحياة لها غايتها، والفرد وجوده ينتهي وينقضي قبل انقضائها، وليس هنالك كائن حي في حالته الطبيعية يستطيع ان يقيس الزمان في وعي وانتباه، ولكن الزمان يأتي على جميع الكائنات الحية ويسود تقلباتها وأعمالها من الولادة الى الوفاة.
وقد انكشف ان هناك شيئا يسمى الزمان البيولوجي (اي الخاص بعلم الأحياء).ويظهر ان الزمان بالنسبة للصبيان يسير ببطء. اما بالنسبة للطاعنين في السن فيظهر أنه يسير بسرعة عظيمة. وهذه الظاهرة المعروفة قد وجد انها مرتكزة على دورة حياة الخلايا. ويمكن ان يعبر عن ذلك بايسر طريق فيقال، ان خلايا كل مخلوق حي تتطور بسرعة في ابتداء الحياة، ثم تأخذ في البطء كل ما دنت من نهايتها. واذا تكلمنا على ذلك من وجهة علم الأحياء نقول: ان كثرة حوادث الخلايا التي تقع في الطفولة تجعل الطفل يشعر بطول الزمان كالمسجون على حين ان بطء عمل الخلايا في الكبير، يشعر المسن ان الزمان يجري بسرعة. ويظهر ان دورة الحياة لا علاقة لها