تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأنك ملك، ولا لأنك زعيم، بل لأنهم رأوا فيك الصورة المثالية النقية الطاهرة لوجودهم الأرض، كأسمى مايكون الوجود الانساني عامرا بالقيم الخالدة: الخير والحق والجمال.

و الا، فبماذا نعلل انفعال العلم كله أقصاه الى أقصاه بسبب المصاب فيك، حيث بكاك الباكون، وأعول عليك المعولون، رغم اختلاف الأجناس و الأديان، والمشارب، والأهواء؟

ان ما فعلوه ليس الا تعبيرا تلقائيا عن شعورهم المفجع ﴿بالفراغ الهائل﴾ الذي أحدثه في وجودهم توقف وجودك!

*

لقد حققت مبدأالانسانية مع نفسك أولا، مذ استجبت لهاتف الرحمن، يناديك بلاغة القرآن: ﴿وفي أنفسكم، أفلا تبصرون؟﴾ ﴿فاستقام .. كما أمرت﴾ ومذ حققت في شخصك صدق هذه النضرية العربية الخالدة: أبدا

ابدأ بنفسك، فأنها عن غيها فاذا انتهت عنه فانت حكيم

والنظرية المماثلة القائلة:

اقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم انسان

*

وحققت مبدأ الانسانية مع اسرتك يوم اضفيت عليها قبسا من نور نفسك المؤمنة لبطاهرة، فانرت لها طريق المستقبل بنور الثقلفة والعلم، وربطت بين افرادها برباط التعاون والتراحم والايثار، وهديتها السبيل القويم الذي يجب ان يكون عليه كل مسؤول دائما، لين في غير ضعف، وصرامة في غير عنف، تواضع للشعب وتفن في خدمته، وان يعطي أكثر من ان يوخذ منه، وان تؤثر سعادته عاى كل سعادة، وحياته على كل حياة .. واصطفيت منها اقدر عناصرها على تحمل المسؤولية ومواصلة الرسالة من بعدك، فشحذت عزيمته، وانضجت عقليته، ونفخت فيه من روحك روحا خالدة، وهمة وثابة، حتى اذا اكتملت رجولته، وتأكدت مقدرته وكفاءته وكنت على ميعاد للفاء ربك، كان جلالة ﴿الحسن الثاني﴾ _سدد الله خطاه_قد أمسك دفة القيادة لامتك بيد من مهارة وذكاء، خائضا غمرات المستقبل في حزم وعصامية وتفاؤل .. فكان جلالته بعدك امتدادا مباركا لجلالتك، ومثالا حيا عن تحقيقك مبدأ الانسانسة السامية في أسرتك.

*

وحققت يا فقيدنا الغالي مبدأ الانسانية مع مجتمعك الكبير الذي هو أمتك، فلم تعش لشخصك كما عشت لها، ولا لمصلحتك الخاصة كما عشت لمصلحتها، وأعطيت على ذلكم ألف برهان وبرهان يوم أن أثرت التضحية بالعرش جملة وتفصيلا، وفضلت النفي بعيدا عن الأهل والوطن، مع سحق الدار، ووحشة الطريق، على أن التساوم في شرفه أو مصلحته. وكان في استطاعتك_وحاشاك_أن تؤثر على ذلكم العيشة الرخية الهنية في الأبراج الذهبية، بعيدا عن أنات الشعب وويلاته، لولم تحس باحساس أمتك فتربط مصيرك بمصيرها، وتجعل مصلحتك ومصلحة عرشك أو أسرتك جزءا لا يتجزأ من مصلحتها، بل هي دونها خطورة وأهمية.

*

وحققت أيها الملك الانسان {مبدأ الانسانية باوسع مفاهيمه مع مجتمعك الأكبر الذي هو المجتمع الانساني في عصر طابعه العام الأنانية الدولية، والاثارة الأممية، والنعرة الشعوبية، فوهبت نفسك وشعبك لتبني وخدمة وصيانة المثل السامية الخالدة ... أخذتهما بمبدأ ﴿التعايش السلمي﴾ الذي يجعل الناس_كل الناس على اختلاف أجناسهم وأديانهم ولغاتهم_متساوين في الحقوق والواجبات، أكرمهم عند الله أتقاهم، لكل منهم أن يعيش في آمن على روحه وممتلكاته، ومعتقداته وتراثه، وعلى كل منهم أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٤٧