تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5 - ع 5 فبراير 1962 .................... ص11

خواطر بمناسبة الذكرى الاولى لوفاة الملك الانسان

للأستاذ

محمد عبد الواحد بناني

ماذا عساي ان أقول في ذكرى وفاة جلالة محمد الخامس_طيب الله ثراه، وجعل الفردوس مأواه_؟ انه ليس في الامكان ابدع مما كان ...

أجل: ان أبرع قصيدة، وأروع خطبة أسمى أيات البلاغة والبيان في كل مجلات القول والوان والكلام، لتقف خجلى أمام ذلكم ﴿التعبير الشعبي﴾ المعجز عن فداحة الكارثة، وحرقة المصاب، ولوعة الفراق، يوم اعلن النبأ العظيم .. فهب الشعب الوفي من قاصي البلاد ودانيها لتشييع حبيبه الغالي الى مثواه في جوار الله.

ماذا عساي أقول، وان أسمى درجات التأثر و الانفعال، لهي تلكم التي يسمر اللسان معها في الحلق فيعجز عن التعبير الواعي، وتجف الدموع في المئاقي فتتجمد .. ولهي تلكم التي يضطرب فيها القلب اضطرابا، وتلتاع الروح التياعا، وتتعطل فيها حركة العقل الواعي، ليحل محلها طغيان العاطفة الجياشة، والشعور الجارف والوجدان الممض، فيصير العجز عن الكلام أبلغ وأعجز وأسمى أيات الكلام.

وشعبك يامولاي ذلكم حاله كان في كل مكان ... لقد كنت معه ﴿الملك الانسان﴾ فتعلم شعبك منك كيف يكون ﴿الشعب الانسنان﴾ ... لقد أخلصت له الحب، وأصفيت له الود، واتخذته أخا وصديقا، أثرت مصلحته على مصلحتك وراحته على راحتك، وجعلت التفكير في شخصك لايبدأ الا حيث ينتهي التفكير في غده ومصيره، فتلقى شعبك منك مبادئ الحب والود، والأخوة والصداقة، والاخلاص والوفاء وهذه، ولا بدع: فالناس على دين ملوكهم.

ومع ذلك: فان من الاخلاص لما عامتنا من مبادئ، وماعودتنا من مثل وقيم، أن نتخذ من كل حادث درسا ينفعنا في الحاضر، ويكون عدتنا في المستقبل، وان في الذكرى الأولى لوفاة جلالتك لدرسا، يجب ألا ينسى. أنني اذ أستلهم روح جلالتك الطاهرة بهذه بالمناسبة أشعر بها شعور المؤمن كشف له الحجاب ... حية وثابة، في لهجة ملؤها التواضع النبوي، والعطف الأبوي تناديني: {أيها الابن البار، قل لشعبي في ذكرى وفاتي ﴿أيها الشعب: كمحمد الخامس كن، أو .. لاتكن﴾

نعم أبتاه، مثلك أيها الكريم العظيم يجب أن نكون، والا فلن نكون ..

اننا حين، نستعرض حياة العظماء ولأبطال الذين صنعوا الحضارة الانسانية، ومدينتها المشرقة الصاعدة، محاولين الوقوف على سر عظمتهم، وسبب خلودهم، نجد النتيجة الحتمية أبدا واحدة، هي أنهم ﴿حققوا مبدأ الانسانية في شتى مجالات الحياة﴾

حققوا مبدأ الانسانية مع أنفسهم أولا

وحققوه مع مجتمعهم الصغير الذي هو اسرتهم

وحققوه مع مجتمعهم الكبير الذي هو أمتهم

وحققوه مع مجتمعهم الأكبر الذي هو ﴿المجتمع الانساني، الذي ينتظم كل الناس، من كل الأجناس﴾.

*

وكذلك كنت أيها البطل العظيم، انسانا في كل مكان، ومع كل انسان، فأحبتك الانسانية كلها لا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٤٦