الربان ـ المجداف ـ الشراع). أما التواتي فحين تحدث عن الإخاء وفلسفة الألوان، كان ذلك كفيلا بأن يذكرنا بكثير من القصائد التي قيلت في هذا الموضوع. ولكن الذي نلاحظه، أنه لم يستطع أن يستغل صورة فلسفة الألوان استغلالا دقيقا، بعد أن كانت قصيدته تمتاز بهذه الصورة على قصيدة الحلوي، إننا نجد هذه الصورة براقة مشعة عند أبي ماضي في قصيدته (الطين):
يا أخي لا تمل بوجهك عني
ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
فأبو ماضي يلقي إليك صورته ببساطة ليزف خطورة هذا الوضع الإنساني الشاذ، وكثيرا ما تكون البساطة سببا في تهويل وتعميق الشعور بالمآسي، بينما اكتفى التواتي بلفتة عابرة أشار فيها إلى التفرقة اللونية، ولو استغلها ذلك الاستغلال الجدير بها، لكانت قصيدته ذات عمق عميق. والواقع أن هذا الأسلوب البسيط، جدير به أن ينفع في مثل هذه المواضيع، إذ أنها مكرورة، كتب فيها الإنسان منذ أجياله الأدبية الأولى، ولهذا، فإن لم يغير منها الأسلوب المعهود في كتابتها، ربما تكون ذات رنة وعظية، تفقدها روعة الخلق الكامنة فيها. ولعل الذين يخرجون الأشرطة التي تعالج مشاكل الحرب، في فرنسا قد أدركوا ذلك، فعادوا يلقون قصصهم في كثير من العفوية والبساطة في الإخراج. ونفس الشيء، يمكن أن يقال في الأشرطة التي تعالج قضية الميز العنصري، إن في فرنسا أو في أمريكا، والحق أن الشاعرين معا، لم يستطيعا أن يحملانا في قصيدتيهما، إلى حيث نشعر بخطورة الموضوع الذي يزاولانه. هناك صخب عاطفي ما في ذلك شك، ولكنه مشوش متداخل، يجعلك تشك في مدى إخلاص كل من الشاعرين في إضفاء روحه على صوره الشعرية التي يلقيها موزونة حينما تأخذ صيغتها النهائية. وكنت أحب أن يكونا من الشاعرية بحيث يبرزان حقيقة الحرب أمام قارئهما بشك يجعله يستفظعها، ويؤمن بخطرها على الإنسان والحضارات، ويمكن أن يكون هذا الفشل في إنجاح هذه الصورة، راجعا إلى أن كل منهما لم يعش ظروفا حربية قاسية، تخصب في نفسه القلقة كل معاني العطف على الإنسان. وعليه فهما زاولا صورتهما من خلال ما سمعاه عن الحرب وليس من رأى كمن سمع. ولكي نتأكد من إمكان نجاح الشعراء في وصفهم للحرب بعد أن عاشوها، نسرد هذه الأسماء لشعراء فرنسيين بلغوا القمة في هذا المضمار، وهم: بول إيليار (1865 ـ 1952) ولويس أراكون وجاك بريفير (1).
وعلى هذا الأساس، يمكن أن ندين شاعرينا بتقصير فظيع، ـ وإن كانا غير مسؤولين عنه ـ أدى إلى فشل صورهما الشعرية عن الحرب، لأنهما لم يستطيعا محاكاتها، واستقطاب الفظائع التي تصيب الإنسان منهما، إلا من خلال تلك الرنة الوعظية التي ذهبت بكل روعة محتملة.
ونجد في كلتا القصيدتين بعض الأفكار الأجنبية، ترفرف في ملل من خلال أبياتهما، لأنها ليست في مكانها. فالتواتي يشير إلى حلولية مسيحية، ويجعلها إحدى الوشائج التي تربط بين الانسان والإنسان:
يا أخي ما أراك إلا وجودا وامتدادا روحي الهيمان
وهي نفس الحلولية التي يتبناها المهاجرون المسيحيون، كميخائيل نعيمة، وأبي ماضي، يقول هذا الأخير:
خلت أني في القفر أصبحت وحدي
فإذا الناس كلهم في ثيابي
والحق أن هذا يمكن أن يرجع إلى نفس الشاعر الصوفية، التي أفصحت عن نفسها في قصيدته غير ما مرة. أما الحلوي، فقد أشار إلى أسطورة آدم، وهي وإن كانت مشاعة بين الديانات التوحيدية كلها، إلا أنني أعتقد أنه زاولها عن طريق إشارة لا مباشرة إلى الخطيئة الأولى، فكأنه يقول: "نحن أبناء أب خاطئ، فلماذا نستمر في الخطأ؟) وهذا تأثير مسيحي:
1 ـ فيما يخص الشاعرين الأولين، انظر عنهما: سلسلة شعراء اليوم، مختارات من شعرهما.
أما الأخير فانظر قصيدته (بربارا) في ديوانه: كلمات.