تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قصائده الطوال التي تقال في المناسبات، يظهر عليها التأثير البحتري بجلاء، ولا ينقصها لكي تعبر عنه، إلا الجو الذي كانت تنشد فيه.

والتواتي يصدر عن عاطفة دينية، إذ أنه لا ينسى الله والديانات ومفعولهما في توحيد البشر، ولا يفتأ يردد ذلك في أول القصيدة:

يا أخي إنني وأنت على رغم الديانات في الدنا إخوان

والديانات مذ توالت على الأرض دعتنا للحب والإيمان

وفي وسطها:

فلماذا أخي تنكر قلبانا لما وطدت يد الرحمان؟

وفي آخرها:

فالالاه الرحيم يكلأ بالتوفيق مسعى الإنسان في الإحسان

بينما نجد أن الحلوي لم يستغل هذه العاطفة، لإظهار مدى طغيان الإنسان وجوره، وأعتقد أنه عوض عن ذلك باستغلاله مشاهد الطبيعة، لتشخيص صوره:

نحن في زورق تقاذفه الموج عديم الشراع والربان

في ظلام كالموج أدعو فما تسمع صوتي وأشتهي أن تراني

ضاع منا المجذاف وامتلأ الزورق في ماء ولج في الخفقان

ويقول:

لم نبكي وفي الطبيعة سحر وجمال وصفوة وأغاني؟

فذاك أقرب إلى الشاعرية، أما استغلال المشاعر الدينية في القصيدة، فإنه يكتسب طابعا وعظيا، وإن كان يمكن أن تحول هذه الطاقات الوعظية إلى خميلة شعرية إذا أحسن استغلالها.

مقارنات: إن القصد وراء المقارنة هذه، أن نقيس مدى نسبة الأصالة في كلتا القصيدتين، لنستطيع من خلال ذلك أن نقدر الجهد الذهني والعاطفي اللذين صرفهما الشاعران من أجل إنشاء قصيدتيهما، ومن ثم يمكن الحكم بدقة على مظاهر الإخلاص للشاعرية، تلك المظاهر التي تنعكس على القصيدتين معا، لأن الإخلاص للشاعرية، يقتل في نفس الشاعر تلك النزعة إلى التقليد، وذلك الشوق إلى أن يلوك الصور التي سبق إليها.

فالحلوي ينتهج أسلوبا مهرجيا حين يجسد الطبيعة ويحييها، ليجعلها ناطقة بصوره وتجاربه:

نحن في زورق تقاذفه الموج عديم الشراع والربان.

وهو في هذا شبيه بالشاعر إيليا أبي ماضي في قصيدته (ابتسم):

فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى متلاطم ولذا نحب الانجما

وكذلك جبران في (النبي): (إن ما تشعرون به من الألم، هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم، وكما أن القشرة الصلدة التي تحجب الثمرة يجب أن تتحطم حتى يبرز قلبها من ظلمة الأرض إلى نور الشمس) وهذا أسلوب نراه شائعا في الإنجيل. والحلوي حين تحدث عن غرور الإنسان وسفالته:

يا غليظ الطباع يا سافل الأطماع يا عار هذه الأكوان

ذكرنا ذلك بقصيدة (الطين) لأبي ماضي أيضا:

نسي الطين ساعة أنه طين حقير فصال تيها وعربد

وكسى الخز فتباهى وحوى المال كيسه فتمرد

ولكن، يلاحظ أن شاعرنا واجه الحقيقة بكثير من الصراحة المباشرة، إذ خاطب الإنسان بغليظ الطباع، وسافل الأطماع، بينما حاول أبو ماضي أن يشير إلى حقارة الإنسان عن طريق لا مباشر، فالإنسان حين يتاح له أن ينتعش، ينسى أنه حقير كالتراب أصله. ونستطيع أن نجد فوق هذا تأثيرا لطه المهندس في قصيدة الحلوي، وذلك أن هذا الشاعر، يكثر من ترديد الصور البحرية في شعره، نتيجة لأسفاره المتعددة، فهو يرسم لنا في قصيدته (الجندول) تلك الروعة التي استشعرها وهو بمدينة (البندقية)، ويكفي أن نعرف أنه فضل أن يسمي إحدى دواوينه: (الملاح التائهة)، لتحقيق هذه الغاية. والحق أن الحلوي كان موفقا في تقديم تجربته من خلال الصورة البحرية التي جعل أدواتها الخام هي: (البحر ـ الموج ـ الزورق ـ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٢٥