تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو يتحسر على الحق الذي عيى لسانه، فيتوجه إلى الإنسان يعاتبه في قسوة، ويخاطبه بكلمات مرة:

ياغليظ الطباع يا سافل الأطماع يا عار هذه الأكوان

ويتساءل في مرارة عما يهدف إليه هذا الإنسان من حياته؟

أكذا أختار أن يعيش بنو الدنيا وقودا يضيء ركب الزمان

ويقول:

ألهذا أخي أتيت إلى الدنيا، أهذي رسالة الإنسان؟

وبعد هذا يعود في شاعرية شفافة ليعكس موضوعة على صفحة لازوردية من صفحات الطبيعة، تلك هي صفحة البحر بموجة وزورقه وربائه. والحق أنه استطاع بمهارة أن يخضع جميع العناصر التي تكمل هذه الصورة البحرية، لتجربته: فالزورق هو الحياة، والأمواج هذه المشاكل التي تعترض سبيل الإنسان، والربان هو العقل الذي يقوده نحو النور، أما المجذاف فهو الحكمة والصبر اللذان يفضيان به، إذا تمسك بهما إلى الشاطئ الأمين:

نحن في زورق تقاذفه الموج عديم الشراع والربان

ويقول:

ضاع منا المجذاف وامتلأ الزورق في ماء ولج في الخفقان

فتعاون معي لنجذف بالأيدي فنرسو على جناح الأمان

وهناك تساؤلات شاعرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عميقة، لأنها مجرد خواطر فقط:

لم نحيا على اختلاف ونسعى في افتراق كأننا ضدان؟

لم نذكي أجيج نار فنصلاها كأنا من عابدي النيران؟

ومن ناحية الشكل، فإننا نجد في قصيدة التواتي بعض السقطات النحوية والعروضية، ولكنها رغم ذلك قابلة للاحتمال، إذ أنه يمكن أن تكون المطبعة قد أخطأت في رسمها، وهو أمر معتاد في بلدنا. وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نقسم السقطات العروضية التي لاحظناها إلى قسمين:

1 ـ تلك الزحافات والعلل التي غزت هذا الإيقاع فجعلت من المتعذر على الذي لا يملك أذنا موسيقية أن يشعر باحتفاظ الوزن بالدبدبات التي يتكون منها إيقاعه، وهذا وإن كان جائزا، إلا أن الإكثار منه يغتصب من القصيدة رواءها النغمي. والظاهرة الكثيرة من هذا الزحاف عند التواتي، هي أنه يلجئ قارئه إلى أن لا يضغط على حرف علة، ذلك الضغط الزحافي الذي يسمى بالمد:

وكلانا أنا وأنت خليقان بأن نحيـ (ا) في صفا وأمان

فكلمة نحيا لا يستقيم معها الوزن إلا إذا لم نضغط على الياء في آخرها.

2 ـ وهناك بعض الأبيات لا تستقيم بوضعها في القصيدة، مع وزن الخفيف، ويمكن أن تكون المطبعة قد أخلت بواجبها إزاء هذه الأبيات، فصارت ذات عاهة إيقاعية:

المبادئ واللون والجنس ألفاظ بلا روح أو بدون معاني

والقوميات والدساتير والأعراف من وضع عابدي الأوثان

وهذا البيت:

والحروب المدمرات عدو لكلينا (أ) البيض والسودان

لا يستقيم إلا بجعل همزة الوصل في: (البيض) همزة قطع. أما السقطات النحوية، فهي:

1 ـ النيران بدل النيرين، فهي معطوفة على مجرور:

وتهادى جمالها الرائق الأخاذ كل الوجود و (النيران).

وإذا كان الشاعر يعني بها جمع نار، فالمعنى لا يستقيم أبدا. وهناك بعض ملاحظات لغوية، وهي: استعمال ننمى مكان ننتمي، فننمى مضارع من أنماه كبره أو جعله ينتمي إليه، وأعتقد أن الوزن هو الذي منع هذا، ثم جمع (وسام) على وسامات، لإرضاء الإيقاع.

أما الحلوي، فلا نكاد نعثر له على سقطات من هذا النوع، وإن كنا نلاحظ بعض الألفاظ أو تعابير ذات استعمالات كلاسيكية: مضرجات البنان، عي، لج في، نذكي أجيج نار فنصلاها، ولكنها لا تجعلنا نذهب إلى القول أن الحلوي بحتري معاصر. والحق أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩٢٤