دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص88
رأي في القصيدتين معا
للأستاذ محمد السرغيني
إن هذه الحركة الانتقادية التي دارت بين السيدين: الحلوي والتواتي، على منبر مجلة (دعوة الحق)، يمكن أن نجعل منها نقطة انطلاق نحو إيجاد حركة نقدية نحب لها أن تلتحم، فتدفع الذين تعودوا أن يسكتوا، إلى أن يخوضوا هذا الغمار، معتمدين على حاستهم النقدية فقط، من غير تعرض إلى أشياء أخرى خارجة عن نطاق العمل الذي يحلل ويدرس.
وعليه، فلا حاجة بنا للتأكيد على خطورة النقد بالنسبة لكل حياة أدبية، ولا إلى التنبيه على الأنواع والمدارس النقدية، فذاك لا يتسع له المجال. والحق أن ما قرأته لهذين السيدين، لم يكن من باب النقد الخالص، ومع أن المجال كان متسعا لكليهما، إذ كان في إمكانهما أن يستخرجا عن طريق المقارنة بين القصيدتين كثيرا من اللفتات التي تساعد النقد في إظهار مواطن الرداءة والجودة فيهما، إلا أنهما عزفا عن ذلك، وخاضا في أمور بعيدة.
التقاء القصيدتين: إنه من الممكن أن نقسم وجوه التقاء القصيدتين إلى مضمون وإلى شكل:
فمن ناحية المضمون، نجد أن المعنى الرئيسي فيهما يهدف إلى شجب الحرب، والدعاية إلى السلم، وذلك عن طريق إرشاد الإنسان إلى إنسانيته، من حيث يراها أخوة كائنة في كل المخلوقات بقطع النظر عن اللون والجنس والدين. أما من ناحية الشكل:
1 ـ فهما يلتقيان في الوزن والقافية، إذ أنهما على وزن الخفيف ذي التفاعيل الستة، تارة نجد بعض أبياتهما مدورة، وأخرى نجدها ذات شطر وعجز، كما أن القافية النونية التي تحدث رنينا أخاذا هي إحدى وجوه التشابه بين القصيدتين، فهي في كليتهما نون مكسورة قبلها ألف لينة.
2 ـ ونجد في بعض التعابير موحدة فيهما. يقول التواتي:
يا أخي إنني وأنت على رغم هوانا وأنفنا إخوان
ويقول الحلوي:
يا أخي نحن في الحياة على رغم هوانا وأنفنا إخوان
ويكرر هذا البيت في رأس كل فقرة في قصيدته، فكأنه الفكرة الأولى فيها.
3 ـ ونجد أن أدوات الاستفهام عندهما تتشابه، مما يؤكد هذا التشابه ويبلوره، فهما قد استفهما بعلى ما، ولم، والهمزة، وإن كان التواتي، قد سكن ميم لم لضرورة الإيقاع.
افتراق القصيدتين:
ووجوه الافتراق أيضا تتناول المضمون والشكل: فمن ناحية المضمون نجد أن التواتي فلسف موضوعه وعمقه، إذ جعل الدعامة الأولى للإخاء، هي الوحدة الإيمانية التي تطالب بها الديانات على اختلافها، وذلك الحب الذي تدعو إليه العقائد المختلفة: