فيه الآداب لا تعدو أن تكون مقالا تجتر فيه الألفاظ في مجانسات لفظية بحتة على حساب المعنى ودون مراعاة له أو اعتبار، أفلا تصدقوني الآن إن قلت أن الأستاذ الحلوي قد اختلطت في ذهنه الحقائق الثابتة والمفاهيم العصرية حين يحاول أن يتهرب منها على حساب الماضي، وحين يفضل طريقة بديع الزمان والصاحب بن عباد في معالجة القضايا الأدبية التي هي القضايا الإنسانية في محتواها البعيد والقريب. إن الشكل والأداء يجب اعتبارهما ـ في نظر العقلاء ثانويين، ويجب اعتبار المضامين الغاية والمقصد أولا وبالذات، فالناس ـ أو أنا على الأقل ـ لا أعجب بالمتنبي، أو أبي تمام، أو البحتري، وأبي نواس، وابن زيدون واضرابهم لمتانة اللفظ وسلاسة التعبير كما يقول النقاد الأقدمون. لا يا أخي وإنما أعجب بالأفكار والمعاني والأخيلة التي استطاعوا أن يبتكروها ويخترعوها ثم يصوغوها في قوالب من الشعر الحي الجياش النابض بالمعطيات ..
بقيت كلمة قبل الأخيرة يجب أن أهمس بها في أن الأخ الحلوي حول البحث الغوي الذي أثاره عن لفظة الجهم والجاهم فأقول: أنه وإن لم تذكر المعاجم اللغوية هذا التركيب بالذات فأرى أن القياس لا يمنع صوغها على البناء للفاعل. ففي اللسان مادة جهم ما نصه ( .. جهمه يجهمه (بالبناء للفاعل) استقبله بوجه كريه، قال عمرو بن الفضفاض الجهني:
ولا تجهمينا أم عمرو فإنما
بناء داء ظبي لم تخنه عوامله
وقد يستأنس لإجازة القياس في هذه المادة بما جاء في اللسان في آخر نفس المادة ( .. وبنو جاهمة بطن منهم) أي جهيمة ..
وبعد فأرجو من الأخ الحلوي إن قدر له أن يعود للتعليق مرة ثالثة أن يحدد الأهداف من هذا النقاش وما إذا كانت ـ فقط ـ القصيدة (إننا إخوان) هي دائما محوره .. وليطمئن إلى أني سوف لا أتأخر عن مناقشته الحساب على أي طريق أراد، على طريق مصارعة الثيران أو مغازلة القيان ...
الحديث ذو شجون