على العرب، الدعوة إلى العروبة أم إلى الإسلام ـ أنا لست اقتصاديا ومع ذلك فإني أرجو أن تجيبني عن هذا السؤال الاقتصادي وهو أيهما أكثر فائدة ربح اثنين أو عشرة؟ قال الأستاذ الشنجيطي لقد أجابني الاقتصادي الخبير العشرة بالطبع، قال الإمام الشنجيطي: قلت فلم إذن تعملون على اغتصاب أربعمائة مليون مسام من أجل إرضاء نصف مليون من المسيحيين ... ؟ وأقول بدوري ما هي الفوائد الحقيقية التي جنيناها حتى الآن وراء الدعوة إلى القومية العربية، التي لم تتجاوز حتى عند دعاتها منطقة الدعاية والآراء والشعور .. ؟ أنه من الجميل حقا أن نكون شعراء ولكن عندما نعالج الحقائق الصارخة، والتي لا تتلاقى والأخيلة العاطفية، يجب أن نكون مع أنفسنا واقعيين إلى أقصى الحدود الممكنة لهذه الواقعية. لكل ذلك فما زلت أعتقد على ـ خلاف الأستاذ الحلوي ـ أن وحدة إسلامية هي وحدها الكفيلة بإخراج ـ لا العالم الإسلامي وحده ـ من هذه الحيرة والبلبلة والخوف والاضطراب، التي يشعر بها الجميع وإنما العالم أجمع، وأقولها صراحة أن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية لا يمكن أن تقابلها الدعوة إلى اليهودية أو المسيحية، وإن تكن الدعوة إلى اليهودية والمسيحية قائمة فعلا وواقعيا، فهل قامت إسرائيل في قلب العالم العربي المسلم، والمؤيدة من طرف الهيئة الأممية إلا على أساس من الدعوة اليهودية؟ وهل يعيش الفاتيكان الدولة في قلب دولة إلا على أساس من الدعوة المسيحية؟ فإذا دعونا نحن إلى وحدة إسلامية، رمينا بالجمود والرجعية ووصفنا بالدعوة إلى القبلية والنعرة الجاهلية، اللهم إن كانت الدعوة إلى الوحدة الإسلامية دعوة جاهلية فأحيني عليا وأمتني عليها .. ثم إن الاسلام حين ردد الآية الكريمة التي أوردها الأستاذ الحلوي (يا أيها الناس إنا خلقناكم .. الآية) إنما أوردناها في مقام التذكير بأن هذه الوحدة لا يمكن أن تتم وعلى أسس صحيحة متينة إلا في ظلال الإيمان بالالاه الواحد، وبأن الإسلام وحدة كاملة شامة تستطيع في مفاهيمها الإنسانية، ومضامينها الإلهية أن تتغلب على جميع العقبات التي ما انفكت تعترض سبيل الإنسانية المتعثرة نحو النور والحياة، ومحاولات الإنسان الوصول إلى حياة الكمال والعزة الحقيقية لم تتجسم إلا مرة واحدة عندما استطاع محمد (ص)، أن يقنع الناس بضرورة الإيمان بوحدة الأهداف والأغراض المنبثقة عن الإيمان بوحدانية الله، التي هي خلاصة العقيدة الإسلامية، وإذا كان العالم الغربي حتى الآن لم يستطع رغم جميع ما أحدثه من نظريات اقتصادية وغيرها، وبما سنه من قوانين ووضعه من شرائع، وكونه من منظمات أن يجعل الإنسان يطمئن إلى مصيره، وينجيه من الارتباك والخوف من الحياة ومن أخيه الإنسان، فإنما ذلك لأن أي دعوة لا تقوم على أساس الدعوة إلى اله ولا تستند إلى وحدة روحية، تكون فيها المادة إحدى الأسس لا أنها الأس وكل شيء، لا يمكن أن تستمر أن تنجح أو تبقى، لهذا يا أخي الحلوي فإني أومن بأن الطريق الوحيد لصلاح الإنسان وتحقيق مبادئ التعايش السلمي إنما تتحقق عندما يسود الأرض الدين الإسلامي، وسيرى الجاحدون لهذه الحقيقة كيف أنهم بعيدون عن تحقيق أهدافهم متى ظلوا بعداء في أفكارهم وآرائهم عن الاسلام بمعناه الإنساني الكامل الشامل، وفي أسسه التي وضعت من أجل إسعاد المجموع ابشري على ضوء الواقع الذي يحياه ومع مراعاة ظروفه وملابساته. وأما عن الجانب الشكلي الذي أورده الحلوي كخاتمة لحقائقه الخمسة فيؤلمني أن يكون الأخ الحلوي ارتكب خطأ فاحشا قد يكون عن غير قصد، حين قال بالنص ( .. ان الالتفات إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والتاريخية والفلسفية في أي عمل أدبي مرحلة ثانوي ـ كذا ـ يمر إليها الناقد عن طريق الشكلية وجمال الأداء .. ) ذلك أن هذا قلب فاضح للحقيقة التي يجب أن تهدف إليها الآداب والشعر في مقدمتها ـ فإن كل من يفكر ويؤمن بأن الأدب إنما ينبع من صميم الحياة بجميع مظاهرها ومتناقضاتها، لا يمكن أن يعتبر أولية الأداء والشكل، وثانوية المفاهيم والمضامين، فإن من ابسط الأمور الملموسة أن الأداء والشكل إنما كانا ـ وجودا ـ من أجل المضمون والمفهوم، اللهم إلا إذا أصبحت الحقائق كلها معكوسة في نظر أستاذنا الحلوي وأصبح لا يفكر ـ حين يكتب ـ في غير البهرجة اللفظية والأداء الموسيقي إن صح التعبير ولو على حساب الغاية والأهداف .. وأريد أن يفكر الأستاذ الحلوي معي فيما كانت ستؤول إليه الآداب الإنسانية الخالدة العالية التي أنجبتها قرائح شوامخ الأقطاب العالميين لو لم يراع فيها الأحسن الأداء وصياغة الشك؟ إن هذا الذي يدعو إليه الحلوي يدعو إلى مزيد من الدرس والتعليق قد نفرد له فصلا خاصا فيما بعد وعليه أن يتحمل تبعات ما قد ينشأ عن هذه الأفكار .. إنها أفكار تسوقنا إلى استذكار عهود الخوارزمي، وبديع الزمان، والصاحب بن عباد، والحريري، يوم كانت
مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩٢٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجلة دعوة الحقص ٣٩٢٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي