تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للأشياء الموازين .. أما عندما يراد استقصاء الأسباب والدوافع الحقيقية لإنتاج هذا أو ذاك، فإن المدارس تتعدد، والمناهج تختلف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كان الحلوي قد رضي لنفسه أن يتحصن وراء أسوار المدينة القديمة، فإني أنا من جهتي أتحاشى أن أحكم لنفسي بهذا أو ذاك أو بما لم يستحي الحلوي أن يجعله قسما ثالثا ويثبته في مقاله الثاني، فإن مثل هذه الأحكام كان يجب أن تترك للتاريخ وللنقاد، ومن السماجة أن يحكم الإنسان لنفسه بالجودة والأصالة أو أن يدعي أن مجرد كلمات عابرة صادرة من أشخاص مهما تكن منزلتهم، كافية لأن تحمل الإنسان العاقل على التباهي بأصالته، فإن كتب التاريخ الأدبي القديمة مليئة بكثير من أمثال هؤلاء الذين يجدون من معاصريهم التأييد والتصفيق، ولكنهم عندما أريد إدراجهم ضمن الخالدين اختفوا باختفاء المصفقين والهاتفين .. أفيرضى الحلوي أن يكون مثل هؤلاء .. أما أنا فيعلم الله أني لا أهتم بما يقول الناس بقدر ما اهتم برغبتي الأكيدة في أن أحاول الاستجابة لجيشان نفسي ورغبتها الصادقة في أن تعمل شيئا من أجل الخلود الأدبي. وكان بودي ـ وكنت قلت هذا في تعليقي الأول ـ لو أن الحلوي انتقد القصيدتين مقطعا مقطعا، وبيتا بيتا، ليرى إلى أي مدى يختلف اتجاهانا تعبيرا وشكلا وفنا ومضمونا ..

وأعود إلى موضوع الحقيقة الرابعة لأذكر الحلوي بأنه وقف من هذه القضية موقف السفسطائيين، فهو قد وضع مقدمة مغلوطة حين اعتقد بأن الإنسان يجب أن يكون شيئا واحدا لا ينفك عن ماضيه إلا بمقدار ما يبقيه متعلقا بحاضره، وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه المقدمة الفاسدة إلى نتيجة واحدة هي عدم التمييز بين منطقتي العقل والعواطف، ولو أن الحلوي حمل نفسه بعض العناء فدرس الجوانب الشكلية والموضوعية لحياة بعض الخالدين حتى أولئك الذين يعرفهم هو، لوجد لهم اتجاهات قد تبدو في نظر قاصري النظر متناقضة، وما هي في واقع الأمر سوى التعبير المجسم للانطلاقات الحافزة التي تجعلهم يمتازون عن بقية الناس، وللتمثيل، لا شك أن الحلوي قد قرأ كثيرا من الأشعار الغزلية لفقهاء كانوا يتصدرون مراكز الإفتاء والقضاء، وكانت مراكزهم تلك لا تسمح لهم ـ في عرف أجوائهم الخاصة ـ بأن يخوضوا ميادين التشبيب والغزل، ولكنها النفس الإنسانية الكثيرة الجوانب والمتعددة الميول، وأن من يحاول أن يقصر النفس على اتجاه خاص دون غيره ويرغمها سلوك طريق معين، إنما يجهل حقيقة بسيطة بساطة أن النار تحرق، وهي أن قيمة الإنسان إنما تتجسم في مدى قدرته على أن يخلق من نفسه ولنفسه وللآخرين أجواء قد تبدو غريبة وفي صور متناقضة في بعض الأحايين، ولعل فن المقامات في الأدب العربي كان محاولة لبواعث الإيمان بفكرة تعدد ميول الإنسان، وتباين سلوكه تبعا للتيارات المتباينة والحوافز المختلفة ولعل الشعراء العرب كانوا مثالا حيا لهه الظاهرة، الشيء الذي حمل النقاد الأقدمين على اعتبارها من أجمل وأبرز مميزات الشعراء، ولعله أيضا من هنا جاءت لمؤلفي التاريخ الأدبي نظرية اختيار الإنتاج الأدبي للشعراء والأدباء على أساس ما أنشأوه وقالوه في جميع ميادين الشعر من غزل ومديح وهجاء وتصوف إلخ ..

.. ويثير الأستاذ الحلوي من جديد موضوع الحديث عن القومية والأعراف والدساتير، ويقف حيث وقف من النقطة السابقة التناقض .. ولا بأس هنا أيضا من أن أذكر الأستاذ بحقيقة أخرى بسيطة، ما انفك يرددها ما دام أستاذا للآداب، وهي أن الأسلوب العلمي غير الأسلوب الخطابي، وهما غير الأسلوب الأدبي ولو أنه تذكر هذه الحقيقة لما غاب عنه كيف يعلل حديث التواتي وهو يحلل القومية وأسسها، وحديث التواتي وهو يدعو إلى التحلل من القوميات الضيقة، ويدعو إلى الإيمان بالوحدة الإسلامية كعقيدة يجب أن تحل محل القوميات جميعها .. وأنا لا أعتقد ـ كما يعتقد ـ أننا كسبنا ربحا ما ـ غير التهريج والديماغوجية ـ من الجامعة العربية على وضعها الحالي، كما اعتقد أن لا عرقلة أبدا في ريق الدعوة إلى وحدة إسلامية على عكس الدعوات إلى القوميات، لأن هذه تقوم على أسس مادية صرفة ومنافع مؤقتة ومحدودة باعتبار الزمان والمكان، بينما الدعوة إلى الوحدة الإسلامية تراعي كل ذلك وتزيد عليه حين تريد أن يكون الارتباط بين مختلف الأعضاء على أساس من رضا الله ومبايعته، وفرق بين ما يباركه الله وما يباركه الناس، وبهذه المناسبة أحب أن أسجل هنا حادثة قصها علي الإمام الشنجيطي، وزير التعليم في المملكة الأردنية حدثت له مع شخصية اقتصادية بارزة في إحدى الجمهوريات العربية، قال الإمام الشنجيطي لمحدثه ـ والموضوع في أيهما أفضل وأجدى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩١٩