تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسميه تاريخ الأمجاد وأمجاد التاريخ، أما نحن فما زلنا نؤكد وفي حرارة بأن الشعر. بل الحياة لا يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية إذا لم تتجدد في كل شيء، لا في صور الناس وأزيائهم وأفكارهم السطحية الضحلة، وإنما في نظرتهم العميقة إلى تفهم أسرار الكون وخبايا الوجود، وما كان في مقدور غير الشعر أن يسبر هذه الأغوار وأن يصل إلى تحديد مفاهيمها وإعطاء مضامينها الصور المتحركة المعبرة ..

ويثير الأستاذ الحلوي في حقيقته الأولى مشكلة دقيقة هي مشكلة حكم القراء على الإنتاج، والحلوي في هذه القضية يكاد يؤكد بأنه لولا القراء لما استطاع أن يكتب شيئا أو ينتج إنتاجا، وإلى هنا قد تكون للحلوي أعذاره الخاصة، ولكن الشيء الذي لا يمكن أن يعتذر له عنه هو ادعاؤه بأن أي شاعر ما كان ليكتب إلا ليقرأه الآخرون .. وهنا أيضا أقول للأخ الحلوي بأني أعتقد أن أي شاعر من هذا النوع لا بد أنه يشكو مركب نقص فظيع حين يربط إنتاجه بالآخرين، لأن معنى ها أن مثل هذا الشاعر لا يجد من نفسه الدوافع الغريزية والميول الإنسانية التي تجعله يخلق ويبتكر لمجرد الإيمان برسالة الخلق والابتكار ما دام المفروض فيه أن يحتل مركز القيادة والزعامة، إذ الشعر ليس بضاعة مجردة أو نظرية اقتصادية بمعناها الجاف تبور إذا لم تجد مستهلكا، وأن على المعمل في مثل هذا الحال أن يوقف عجلة الإنتاج، لا بد أن الشاعر لا يمكنه أن يوقف إنتاجه لأن هذا الإنتاج هو في الحقيقة المسيطر عليه، ولأنه الطريق الوحيد لتعبير عن الوجود الذاتي للشاعر، والشاعر لا يمكنه أن يتأثر أبدا ـ في حدود ذاتيته وكيانه ـ بالأحكام التي يصدرها عليه الآخرون مهما تكن تلك الأحكام صائبة أو جائرة، لأن الرسالة التي يتحمل أعباءها عن رضا وطواعية واختيار لا يمكن أن تترك له مجالا للاختيار في الإنتاج وعدمه، فنحن يا أخي الحلوي لا ننتج ليقرأ لنا الناس، وإلا أمسكنا عن الإنتاج، لا يا أخي ولو حدث هذا مرة واحدة في التاريخ لما أمكن لكثير من النظريات التي أثبت محك التجربة صلاحيتها أن ترى النور، إن التوالد الطبيعي لكل الكائنات لا يمكن أن يخضع لغير الرغبة الأصيلة في الإنتاج، هذه الرغبة التي تعد ها التوالد نفسه التعبير الصادق المجسم ـ بالبناء للفاعل ـ للوجود، فلو أن أبيقور مثلا، وهو أول فيلسوف ـ فيما أعرف ـ عالج موضوعا حسابيا في نظرة الناس للحياة: اللذة والألم ـ (راجع كتاب الدكتور إسماعيل مظهر في الموضوع) عمل على ضوء نظرية الكتابة للقراءة من الآخرين لما أمكن لنظرياته، ان تصلنا الآن في المذهب الوجودي الذي يحاول بعض الناس، لهذا السبب أو ذاك أن ينسبوا ابتكاره لسارتر الأديب الفرنسي المشهور، إن الأديب ـ كما قلت سابقا ـ عندما يحس في أعماقه برغبة الإنتاج والتوالد، إنما يكون مدفوعا بقوة لا منظورة إلى تسجيل ما يحسه ويجول بخاطره ثم لا عليه، اقرأ الناس ما أنتج أم أهملوه ما دام هو قد أدى رسالته، ولو أن هذا المبدأ الذي يدعو إليه الحلوي ساد الحياة لكان على الحياة نفسها أن تغير الكثير منها لأن أناس لا يحسون له وجودا ولا يجدون له طعما ولا لذة .. إنها الرغبة الإجبارية في الإنتاج، تلك التي تدفع الشاعر الأصيل إلى تسجيل أفكاره وخواطره، لهذا فليس من حق أحد أن يرغم آخر على قراءة الآخرين أو قراءة إنتاجهم، على أن القراءة الموضوعية المركزة تستحسن أكثر فأكثر عندما يتعلق الأمر بالنقد والتوجيه، ومن الغريب أن الحلوي بعد أن حمل على حملة شعواء لأني قلت أني لا أقرأ إنتاجه وعد هذا نقصا في أي إنسان ينتسب للأدب، ارتكب نفس الخطأ، وفي شكل أفظع حين ناقض نفسه في هذه القضية، فهو في حقيقته الثالثة يقول بالنص: ( .. ولكني مع الأسف لم أجد ما يغريني بالوقوف فتناولت منها ما أثار اهتمامي وتركت الباقي لحكم التاريخ إشفاقا على نفسي وضنا بوقتي .. ) بينما يعود في آخر فقرات مقاله ليقول بالنص أيضا ( .. وأنا أؤكد له أنني مغرم بقراءة جميع المحاولات حتى ولو كانت فاشلة لأني أعرف كيف أستفيد منها. إلخ) فأينا المتهافت والمتناقض مع نفسه .. ؟

وأما حديث الأخ الحلوي عن مدارس الشعر فهو يحاول فيه ـ والاجترار أيضا هو الذي أوقعه في هذا المأزق ـ أن يبدو قاضيا مطلقا، حاكما بأمره يضع الناس حيث يشاء دون أي اعتبار لغير أحكامه، وإلا فمن أين جاءه هذا الادعاء الفارغ بأنه هو يمثل المدرسة القديمة بخصائصها وسماتها، وأن الأخ الطنجي ـ وأعتذر عن إقحامه ضمن هذه المناقشات ـ يمثل المدرسة الحديثة، إن المدارس الأدبية تعني أولا وبالذات الطرق الواضحة لمعالجة الأفكار الأدبية الصادرة عن النفس الإنسانية، تجسيما لميولها ورغباتها وتصويرا لنزعاتها التي لا يمكن أن تنحصر ـ في نظر المؤمنين بشمولية الأدب ـ في قديم وحديث إلا عندما لا توضع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩١٨