ويبدو أن الاجترار أصبح ملكة أصيلة لدى الأخ الحلوي، حتى أنه لا يستطيع حتى حين يحاول أن يضرب مثلا ما إلا أن يسرق هذه الأمثال أيضا من الأقدمين، فهو حين أراد أن يصفنا بمرض الذوق والتعامي عن رؤية الحقائق الفاضحة لم يشعر إلا وهو يجتر أمثال الشاعر المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض
يجد مرا به الماء الزلالا
وليس يصح في الافهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
وإذا كان الحلوي يرى أن من الأصالة وربط الحاضر بالماضي والمستقبل الاستمداد من أفكار الآخرين، فله رأيه الخاص، ونحن لا نناقشه في مدى إيمانه بهذه النظرية، وإنما الذي نريد أن ننبهه إليه ونثبته، هو أننا نرى خلاف ما يعتقد، فإن الظروف والتيارات والتفاعلات التي واكبت حياة وحضارة عصر ما، لا يمكن أن تكون هي نفس التيارات التي تماشي وتواكب مختلف الحضارات الأخرى، وإلا لما استطاع الإنسان أن يصل إلى ما وصل إليه من اكتشافات واختراعات .. إننا حين نحاول دراسة الماضي للمعرفة والاعتبار والوقوف على التاريخ الحضاري لأمة ما، وفترة ما من حياة ما، إنما نحاول أن نستكنه الأسباب والظروف التي كونت تلك الحضارة وكيفتها، ونعرف الاتجاهات الأصيلة التي عملت على صبغها بهذه الصبغة دون تلك، أما أن نحاول عن طريق الاجترار أن نكيف وجودنا طبق ما توحيه رسوبات الآخرين من ألوان وأذواق فهذا شيء لا يمكن أن يخطر ببال إنسان يملك ذرة عق مميز سليم .. إن الأصالة كل الأصالة في أن نضيف ـ أو نحاول أن نضيف ـ صورا ناطقة وأحاسيس حية نابضة إلى الصور والأحاسيس الحية الخالدة التي استطاع أولئك الخالدون أن يرسموها في ظلال وألوان زاهية قاومت الفناء واستطاعت أن تنفذ إلينا جياشة بالحياة، فياضة بالمعطيات قوية بالمعاني، زاخرة بالعواطف والخلجات الإنسانية .. والأدب منذ كان ـ والشعر أصدق صورة للآداب الإنسانية ـ عمل أبدا وسيظل يعمل على ربط الصور النابضة في مختلف حيوات الخالدين النابهين وأفكارهم حتى تظل النبراس الكشاف الذي يستضيء به السائرون في مجاهل المستقبل المجهول. ولكن لا ليجتروه ويقفوا عنه، وإنما ليضيفوا إليه أضواء كاشفة أخرى ويرسموا من كل ذلك صورة زاخرة بمختلف أحاسيسهم الواقعية وغير الواقعية، لا أن يظلوا في دوامة من الأفكار المجترة، فلو أن الإنسان عمل على أساس فكرة الاجترار مهما فسرت، لما وجد مختلف النظريات التقدمية في جميع الميادين، ولما استطاع الرعيل البشري أن يقطع كل هذه المراحل الطويلة التي قطعها عبر مسيرة نحو النور والانطلاق، ولكن الشيء المحقق والذي لا يحتاج إلى دليل هو أن الأقطاب والخالدين كانوا دوما خلاقين ومبدعين، وكانوا أبدا يبتكرون الأفكار التي تعتبر الخلية وتعد النواة .. ثم يأتي بعد هؤلاء آخرون قد لا يهمهم من الحياة إلا صورها الظاهرة الباهتة، لأنهم يعلمون ظاهر الحياة الدنيا وهم عن الحقائق الأزلية غافلون، هؤلاء هم أصحاب الأفكار الضحلة الفطيرة الذين لا ينفكون يجترون ويدورون في دوامة من أفكار من سبقوهم .. ونحن عندما نحاول أن ندرس الشعر أو الأدب برمته كظاهرة إنسانية حضارية لا يمكن أن ننظر إليه إلا من جهة الخلق والإبداع، فما كان للمتنبي وفيكتور هيجو ودانتي وبيرون وويلز وشوبان وفولتير وابن الرومي أن يخلدوا لو أن آثارهم اقتصرت على لوك أفكار من سبقوهم، لا أبدا، إنما دخلوا التاريخ حين حاولوا فاستطاعوا ـ وقد يكون إلى حد ما ـ أن يفتحوا نوافذ جديدة على آفاق جديدة من الحياة الإنسانية، واستطاعوا أن يفتحوا أعين الناس في تركيز على هذه المناحي التي ظلت مجهولة لدى الرواد قبلهم، ولكل هذا أرجو أن يفكر الأستاذ الحلوي في أن الشعر الأصيل، إنما ينبثق عن الروح المؤمنة بالخلق والابتكار في معناهما الواسع الدقيق، ولا يمكن أن يفسر قولنا هذا بأنه تنكر للماضي المجيد أو غير المجيد وإنما هو امتداد له، وتأكيد للوحدة والوشائج الإنسانية الراغبة رغبة جامحة في أن تعمل على تحقيق الأفضل والأرغد من العيش والأسعد من الحياة، ونعتبر ـ وهذا ما يجب ـ أن الشعر سوف يظل إلى الأبد القاسم المشترك الأعظم في جميع الاتجاهات الحية في خلايا الإنسان الخالد ولا يمكن هذا إلا إذا تصورناه وجسمناه حسب معطيات الحياة المتجددة في كل وقت وحين، ومن حق الحلوي إذا كانت أفكاره لا تتسع لهذه الأجواء البعيدة الأغوار في مجاهل الكيان الإنساني أن يكتفي بالاجترار وأن يصوره له خياله السجين بأنه التعبير الأصيل والطريق الوحيد للمحافظة على ما