تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص82

مناقشات: حول قصيدة: إننا أخوان

للأستاذ عبد الكريم التواتي

وبعد ...

كنت انتظر من الأخ الحلوي وفي تعليقه الثاني بالذات على قصيدتي إننا إخوان، أن يركز انتقاده حول موضوعية القصيدة وشكليتها ومدى استجابتها لما وضعت من أجله، أو على الأقل أن يضع النقط على الحروف ويفتح أعين القراء على الجوانب التي استرعت اهتمامه من حيث يريد، وأن يكون قبل هذا وبعده موضوعيا إلى أقصى حدود الإمكان أو على الأقل إلى الدرجة التي تظهره بمظهر الناقد البصير النزيه، والذي يحاول جهد إمكانه أن يبين الحقائق المجردة وأن يلقي عليها من أنوار مجهره الدقيق الأضواء الكشافة التي تقف المتتبعين للحياة الأدبية في هذا البلد الكريم على المواضع المغمورة ـ في نظره ـ في القصيدة التي كانت ـ ويجب أن تظل ـ محور كل هذه التعليقات ـ ولو أنه فعل ـ وله الاختيار ـ إذن لأراح نفسه من عناء البحث وراء سراب خراب، ولجنب قلمه هذه الكلمات النابية ـ المنافية لمكانته كأديب ممتاز ـ التي أوردها في غير ما موضع من تعليقه الثاني والأول، ولا يعد كذلك عن أذواق القراء، هذا الأسلوب المهلهل الذي حاول وراءه وبه أن يبين عن هذا اللاشيء الذي أقام حوله زوبعة في فنجان.

وكنت أنتظر من الأخ الحلوي كذلك أن يركز نقده حول النقط التي كان أثارها في تعليقه الأول فلا يخبط خبط عشواء أو يتهافت في هذا العدد من النظريات المتناقضة، والأفكار اللامحدودة المعالم أو الأهداف واتي أوردها في سياق مشوش الأنغام، عديم الارتباط .. ولكن إذا كان من الحقائق المسلمة أن الإنسان ـ يجب أن يتقبل أحيانا الواقع بوصفه حقيقة راهنة إن طائعا أو مكرها، فانا لن نحاسب الحلوي على هذا التهافت الذي دعاه إليه، فيما يبدو ما كان يعانيه من انفعالات نفسية عصبية حين وجد نفسه في الميزان، وهو الذي كان يصور له خياله المجنح أنه فوق الاعتبارات وكل القيود .. وإنما سنحاول في رفق وهدوء أن نعالج ما ساقه في حقائقه الخمس .. وكم يؤسفني أن أجد نفسي مضطرا من جديد ومنذ بداية الحديث عن محاسبته على ما كنت أكدته في تعليقي الأول حين وصفت معدته بعسر الهضم، وأنها لا تستطيع أن تهضم إلا بعد الاجترار المتكرر. وفي هذا الموضوع حلا للأستاذ الحلوي هذه المرة في رده على تعقيبي لا أن لا يخرج عما اعتاده وألفه من تقليد الآخرين في كل شيء بما في ذلك تنظيم كتاباته فحسب، وإنما شاء أن يقلدني أنا بالذات حين قسم بحثه إلى حقائقه الخمس .. وإذا كنت قد رميت الأستاذ الحلوي بالاجترار ـ وفي عرف الحيوان الناطق هذه المرة حتى لا يغضب، فيضطر إلى شرح المفردات اعتقادا منه أنه في درس من دروسه التقليدية ـ فما قلت منكرا من القول ولا زورا، وتعليقه الثاني أعظم شاهد على ما أقول، وهو نفسه أكد وفي حرارة وأسلوب خطابي مبسط استغرق صفحة كاملة من مجلة دعوة الحق هذه الفكرة، بل ودافع عن أحقيته في أن يجتر، وهو بعد هذا لا يتوانى أن يقول: أن هذا الاجترار هو وحده الذي يربطه وأدبه بماضيه السعيد، وهو الذي يجعل لمعاني شعره الأهداف العليا، والمثل السامية التي تتوخاها الإنسانية الحافزة في تطوافها نحو استكناه المجهول، ويؤكد أن الاجترار هو السبيل الوحيد الذي يعطي معطيات الشعر ـ في نظره ـ الروافد القمينة بجعله يتطلع إلى الخلود، ويطمع في البقاء .. وليستر هذا الاجترار المتعمد يضفي عليه كلمات براقة هي بدورها اجترار لما كان قد قاله الشاعر العربي:

أترانا نقول إلا معادا أو معارا من قولنا مكرورا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩١٦