تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ أنصت يا عسو، كلمة أخيرة، إذا كان صاحبك يرغب في الصلح، فأنا لا أقول له: لا، وإنما يجب أن يكون رجلا معي.

ـ إني متيقن أنه في قرارة نفسه يرغب في الصلح، ولا يحول دون هذا الصلح إلا حاجز العناد من الجهتين، وإذا أدنت لي وتركت نسيم الخير والسلام يهب على نفسك، فسأفكر بما بقي لي من عقل ضعيف، في أشرف طريق للوصول إلى صلح الإخوة وتطهير النفوس من الضغن وأدران العداوة.

ـ كل ها حسن ولكن، أنا لا أستطيع أن أمد يدي أنا أولا، فلست البادئ بالشر، وعلى كل، فليعلم صهرك أنه إذا أراد الاستمرار في الحرب، فأنا مستعد لها، وإذا جنح إلى السلم، فأنا رهن إشارته.

وتهلل وجه عسو وانطلقت في تجاعيده ابتسامة تدل على رضى وارتياح، وقال بلهجته المرحة: الحمد لله .. الحمد لله .. إن أجري عند ربي يكون عظيما، فقد ساعدتني الأقدار على حقن الدماء وإصلاح ذات البين .. والله لقد انشرحت نفسي حينما تحققت أن كل واحد منكما له رغبة أكيدة في الصلح، ورجائي إلى الله أن يتم الأمر بينكما على أحسن حال ويستحكم التقارب حتى تنسينا الأيام المقبلة ما مر من ساعات النحس والنكد ..

قال ذلك بلهجة الأولياء الصالحين وبصوت فيه رقة وحنان، ولم يتمالك أن تلألأت في عينيه دمعتان عند ذكره لساعات "النحس والنكد"، وسكت لحظة ثم قال: والآن، أيها القائد المغوار، إذا أذنت لي، فقبل أن أودعك غدا، سنجدد الكلام في هذا الشأن حتى نصل إلى الغاية المنشودة.

ـ أنصت، يا عسو، أنا لا أريد أن اسمع منك كلمة الوداع، وسيؤلمنا أن تفارقنا هكذا بهذه السرعة، فاجلس، معنا فإن لنا رغبة أكيدة في أنسك وحديثك، أما ما ذكرت، فسيأتي بأجله.

*************

وقضى عسو أياما أخرى مع القائد ابراهيم، ثم جاء ليوعه وأعاد الكرة من جديد، مرغبا إياه في الصلح عارضا خدمته ووساطته، وصادف من القائد ابراهيم نفسا كريمة وقلبا صفوحا لا يعرف الضغن إليه سبيلا، حيث سمع منه هذا الكلام: إذا وجدت طريقا لإصلاح ذات البين فأنا مستعد لقبولها لا أشترط عليك إلا شرطا واحدا، هو أن يتجنب القائد علال كل اعتداء على أراضينا وأولاد قبيلتنا ويحترم حريتنا.

فنظر إليه عسو مبتسما ابتسامته العريضة وقال له: ضع يدك يا قائد ابراهيم في يدي، وتوكل على الله وعلى صحبتي، لقد وجدت الطريق، وما أوسعها وأحسنها وأسهلها من طريق، هل عرفتها؟

ـ لا، والله.

ـ لقد فكرت وفكرت في الأمر وتبين لي أن أحسن طريقة لإنهاء العداوة هو أن تصبح صهرا للقائد

ـ هذا أمر صعب، بعد كل ما مر من الأحداث.

ـ والله ما هو بصعب ولا شاق، وإذا لأنت القلوب من الجانبين فأحسن ما يؤلف بينها هو علاقة الزواج ورباط المصاهرة، وعلى كل حال، فإتمام الأمر موكول إلي، ما دمت قد قبلت أن أكون واسطة خير، وأزيدك ايها القائد أن المسألة لها جانب مغر، أنت لا تعرف عائشة بنت القائد علال، عائشة وما أدراك ما عائشة! صدقني، والله لو رأيتها في جمالها وطول قامتها وبياضها لصحت من غير شعور ورميت بعمامتك ونسيت نفسك والزمان وبقيت تنظر إليها بدون انقطاع، كل هذا مع العقل والعرض والأخلاق وحلاوة الطبع وخفة الروح، والله، يا قائد ابراهيم، ما نلت من الدنيا شيئا إن لم تتزوج عائشة بنت القائد علال.

فأجابه القائد ابراهيم بدون تفكير: أنا لا أطلب كل هذا، ويكفيني العرض والعقل، قاتلك الله من شاعر، أنت لا تكون مسرورا حتى ترى صاحبك مستسلما أما بلاغتك .. ومعنى هذا أنني لا أرى من جانبي أي مانع من المصاهرة مع القائد علال إذا كان يرغب في صلح حقيقي.

ووضع القنفذ يده في يد القائد وصافحه بحرارة وإيمان، مفهما إياه أنه متفق معه على كل شيء، وتعانق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩١٢