الرجلان للوداع، وركب القنفذ بغلة مسرجة أهداها إياه القائد ابراهيم وانصرف قافلا إلى بلدته.
************
وسارت الأمور بسرعة وبسهولة، عاد عسو فاخبر القائد علال بنتيجة رحلته، فارتاح القائد لما سمع وطلب من عسو أن يعود إلى القائد ابراهيم ليبلغه استعداده للصلح معه وتزويجه من ابنته عائشة.
وعاد عسو إلى القائد ابراهيم في جبله الشامخ واطلعه على كل ما تم في الأمر، وبعد أسابيع زفت عائشة بنت القائد علال في موكب من فرسان القبيلة ورجالها إلى القائد ابراهيم وكان عرس وكانت أفراح وولائم، تناقلت أخبارها قبائل الأطلس.
ومرت الشهور والأعوام، ورزق القائد ابراهيم أولادا من عائشة، وأحبها كما أحبته، ووجد فيها أكثر مما قاله عسو ووصفه.
ونعم الأطلس بالصلح بين القائد علال والقائد ابراهيم، وأمنت السابلة، وتنوسيت الأحقاد، ولحد تلك الساعة لم ينزل القائد ابراهيم إلى صهره ولم يزره، وإنما كانت الرسل تتناقل بينهما بدون انقطاع، وكانت العلاقات على أحسن ما يكون من الود والمحبة، ولم يكن ثمة أي حيطة أو حذر من جانب القائد ابراهيم، وإنما أقعده عن زيارة صهره نوع من التعفف والاحترام، ربما كان ناتجا عن أيام العداوة والحرب.
وفي ذات يوم جاءت المناسبة ليزور صهره، فقد وجه القائد علال يطلب بنته عائشة أن تزوره هي وأولادها وينزلوا في ضيافته أياما.
وفهم القائد ابراهيم أن الفرصة سنحت ليتلاقى مع صهره فوجه إليه يخبره بقدومه، وتهيأ للسفر في جماعة صغيرة من أصحابه وساروا ومعهم زوجه وأولاده في منعرجات الجبال، يتنقلون بين الوديان والهضاب إلى أن أشرفوا على قصبة القائد علال، والمؤذن ينادي لصلاة العصر.
وكان القائد علال في تلك الأثناء جالسا في دهليز بيته مع شيخ يظهر من سحنته وهيئته أنه تاجر أتى من إحدى المدن الحضرية، وكانا جالسين على طنقستين من دوم وهما غارقان في حساب طويل، إلى أن فاجأهما المخزني بدخوله وقال للقائد علال وعلى وجهه علامات الجد: سيدي لقد وصل القائد ابراهيم ومعه العيال والأصحاب، فلم يفكر القائد علال طويلا، وإنما قال له:
ـ العيال يدخلن عند العيال، والأصحاب ينزلون في ضيافة الخليفة أحمد.
وسكت، فقال له المخزني: والقائد ابراهيم؟
فنظر إليه القائد علال بهدوء ووضع أصبعيه على عنقه وأمضاهما من الوريد إلى الوريد، مشيرا إليه بالذبح.
خرج المخزني والتفت القائد إلى صاحبه التاجر قائلا "لنعد إلى حسابنا" ولكن التاجر كان قد أغمي عليه، فنادى القائد على مخزني آخر وقال له: "رش الحضري بالماء حتى يستيقظ، فسأعود بعد قليل.