تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فحدق فيه القائد متعجبا وقال: قل لي من هو وسأفرجك عليه.

ـ إذا كنت تتعهد لي بذلك، فأنا أقول لك من هو .. خصمي أيها القائد هو أنت .. فهل تستطيع أن تنصفني من نفسك؟

واندهش الحاضرون وازداد تعجب القائد وقال له بقوة: إنك تتهمني أيها الشيخ دون أن تعرفني بنفسك، والآن سنتحاكم إلى الجماعة، فإذا تبين أنك تظلمني فماذا سيكون جزاؤك؟

وما أتم القائد ابراهيم كلامه، حتى انطلق الشيخ بضحكة عالية مدوية وأزاح اللثام عن وجهه، وكم كانت دهشة الحاضرين عندما عرفوا في وجه الرجل "القنفذ" أحد شعراء الأطلس المعدودين وأحد ظرفائه ومضحكيه.

وضحك الجميع وقام إليه القائد فعانقه وأجلسه إلى جانبه، والتفت القائد إلى أعضاء الجماعة وقال لهم: أيها الأحباء، أنتم ضيوفي في هذا النهار ما دام الشيخ عسو جاء ليزورنا ويسمعنا من شعره ونوادره.

وذبحت الأكباش ونصبت الموائد، وكان يوم كله ضحك ولهو وقصف وعزف، وكلما انتهى الشيخ عسو من لون انتقل إلى غيره، مما جعل الحاضرين كلهم ينسون أهليهم وذويهم وينسون كذلك هموم الحياة ومتاعبها ويمرحون في جو كله سرور وسحر وسلو وغرور؟

وظل القنفذ في ضيافة القائد أسابيع وهو أرغد عيش وأطيب مقام إلى أن اغتنم خلوة مع مضيفه ففاتحه قائلا: بعد هذه المدة التي قضيتها عندك في أحسن ضيافة، لا أخفيك أيها الأخ تعجبي من شيء لا يفارق بالي، والآن ولم يبق لي إلا أن أودعك، لست أرى بدا من التحدث إليك في ذلك بكل صراحة حتى يطمئن قلبي.

ـ وما الذي يثير في آن واحد تعجبك وتألمك، قل لي بكل صراحة، فأنا أحب أن أسمع الحقيقة.

ـ الذي يثير تعجبي هو عداوتك مع القائد علال.

ـ ولمه؟

ـ لأني أعرف كل واحد منكما حق المعرفة، فكلاكما راشد عاقل، والعاقل لا يقبل أن يصير عدوا إلا لأسباب معقولة، وأنتما أي شيء بينكما؟ حقا لقد كان أبواكما متعاديين، ولكن عداوة الآباء قد تنقلب إلى صلح وصداقة بين الأبناء.

فأجابه القائد بهدوء وصرامة: لا تحدثني عن صهرك القائد علال، فكلما تذكرت اسمه تذكرت مصائبه واسودت الدنيا في عيني.

فضحك عسو وقال: سبحان الله، أنتما تتشابهان حتى في طبعكما، فهو كذلك يقول نفس الشيء عندما يذكر له اسمك، ولكن، في الأيام الأخيرة، شعرت أنه يتضايق من هذه العداوة ويحمل هما كثيرا بسببها إلا أن أنفته تأبى عليه أن يصرح بشيء,

ـ أنصت يا عسو، إن القائد علال وجهك إلي رسولا من عنده، فتفضل وأبلغني الرسالة، وإلا فلنترك الحديث في هذا الموضوع.

ـ عجبا لكم أيها القواد، أنتم لا تعترفون إلا ببعضكم، فمن جاءكم رسولا من عند قائد مثلكم تنصتون إليه، وإذا جاءكم أحد ليدافع عن ضعفاء ومظلومين تغلقون آذانكم وتسدون في وجهه الأبواب، لست أنا أيها القائد ابراهيم، رسولا من عند القائد علال، وإذا أراد القائد علال أن يوجه إليك رسولا، فلن يختار شيخا خرفا مثلي، وإنما أنا، في الواقع، رسول للثكلى والأرامل واليتامى الذين فقدوا الأبناء والأزواج والآباء في هذه الحروب التي تشعلون نرها أنتم معشر الكبراء، أما ترفقون بهم وتنهون الخصومة فيما بينكم؟

ـ هل فكرت في ما تقول، يا عسو؟ من المسؤول عن هذه الخصومة؟ ومن بدأها؟ ومن استمر فيها؟

ـ كل هذه مسائل الحق فيها بجانبك، ولكن، هل من الصواب البقاء على حال كهذه؟ أليس من الممكن إطفاء نار الحرب بطريقة تحفظ لكل من الخصمين شرفه وكرامته؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٩١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٩١١