ـ خطتي هي أن تزوجه إحدى بناتك، وإذا ما تم ذلك نشأت بينكما الثقة، وإذا ما قدم عندك، فلك أن تفعل به ما تشاء.
فأجابه القائد مستنكرا: هرمت يا قنفذ وخرف عقلك ولو يبق لك رأي.
ـ ولماذا؟
ـ لأنك تقترح علي أن أزوج إحدى بناتي من من ألد عدو لي .. وإذا أمسك بنتي عنده واستمر في محاربتي ورفض أن يقدم عندي كما تقول، فأي وجه سيبقى لي، وكيف تكون حالي أمام الناس؟
ـ أنا أعرف القائد ابراهيم وأعرف طبعه، وعلى كل حال، إذا وقع شيء مما تخاف، فدونك رأسي فاقطعه.
ـ ومن سيدبر هذه الخطة؟
ـ ما عليك إلا أن تكل إلى الأمر، حتى آتي إليك لأخطب بنتك نيابة عن القائد ابراهيم، وكل ما تهتم به الآن هو أن تزودني بما يكفي من المال والزاد وأن لا تكون في ذلك مقصرا مقترا.
وفكر القائد مليا ثم رفع رأسه وقال بصوت قوي، صوت الذي اتخذ قرارا حاسما: طيب، إني أقبل أن أمشي معك في هذه التجربة، فإن نجحت أطلقت سراح ذلك الشاب وجازيتك بجائزة أترك لك اختيارها، وإن فشلت قتلتك وقتلت فاطمة أختك والشاب أيضا، ففكر قبل أن تجازف بنفسك، وإذا قبلت هذه الشروط جهزتك بالمال وبما يلزم لتذهب حيث ترمي شبكتك.
ـ أيها القائد، لست في حاجة إلى شبكة، وإنما إلى صنارة، لأننا لا غرض لنا إلا بسمكة واحدة، أما شروطك فقد قبلتها، ولا احتاج معها إلى روية وتفكير.
وهنا نطقت فاطمة التي ظلت صامتة إلى تلك اللحظة: لعل سيدي يقبل الآن أن يخرج ذلك الشاب من المطمورة ويضعه تحت الحراسة في إحدى الحجرات.
فنظر إليها شزرا وقال لها بصوت مغضب، ذلك أمر موكول إلي، وتيقني أني لست فظا غليظ القلب.
فابتدره عسو: هل أفهم من هذا أنه إذا قدم عليك القائد ابراهيم ليصطلح معك، فستمحو من قلبك كل ضغن وستستقبله كصديق؟
ـ هذه مسألة أخرى نتركها للزمان هو الذي يفصل في شأنها.
وبعدما اتفق عسو مع القائد على ترتيبات السفر ولوازمه وجهزه بكل ما يحتاجه لمهمته، خرج من القصبة وانصرف على بغله يخترق نجود الأطلس ووديانه، متجها نحو أحد المرتفعات حيث يربض القائد ابراهيم وسط عشيرته.
**********
جلس القائد ابراهيم وحوله جماعة القبيلة، الساعة ساعة الحكم وفض النزاعات، يتقدم المتحاكمون إليه وهو يفصل في قضاياهم بسرعة، وأعضاء الجماعة لا ينبسون ببنت شفة، ذلك أن القائد ابراهيم كان في نفس الحين قاضيا موفقا موهوبا يهتدي بسرعة إلى الأحكام التي تسوى بها القضايا الشائكة، هذا مع كامل النزاهة والتجرد.
والواقع أنه ما كان أحد، سواء من أعيان القبيلة أو غيرهم، يستطيع أن يجرؤ على القايد ابراهيم لأنه يفوق الجميع بدمائة أخلاقه وشجاعته ورجولته وتواضعه وإيثاره وكرمه وأحسانه، وقد بلغ من السخاء مع الضعاف والمحتاجين أنه صار في الآخر لا يملك أي ثروة شخصية، إلى جانب هذا فقد كان شابا بهي الطلعة مهيب السمت.
وكان آخر من تقدم غليه في ذلك اليوم للتحاكم شخص محدودب الظهر، معتم بعمامة غريبة، ملثم، اقترب منه وهو يتكئ على عصاه وقال له: لقد بقيت أنا الآخر، أيها القائد، لأن لي شكاية طويلة.
فنظر إليه القائد متعجبا وقال: ومن هو خصمك؟
ـ خصمي؟ .. إنك أعرف الناس به .. وأخشى أن لا تأخذ لي منه حقي.