وسكتت برهة، ثم قالت بقوة وحماس: وإذا دللتك على حيلة ناجعة، ماذا يكون جزائي؟
ـ اطلبي ما تريدين ..
ـ أنا لا أطلب منك شيئا لنفسي، لا مال ولا حلي .. وكل ما أرجوه هو أن تطلق سراح ذلك الشاب ابن عم "يزة".
فنظر إليها متعجبا وقال: إتك لمشغولة القلب بهذا الشاب، هل هو من أقاربك؟
ـ لا ولكن، يا سيدي، ليس له ذنب إلا كونه يحب ابنة عمه.
ونظر إليها القائد نظرة ملؤها الغطرسة وقال: أنا ليس من عادتي أن أسامح وأصفح .. ولكن في هذه المرة سأحاول، على شرط أن تكون حيلتك ناجحة، فإذا ما قبضت على القائد ابراهيم وأتيت به مكبلا، مسلسلا، فسأطلق سراح ذلك الشاب الجريء، وإلا فلن يكون حظه إلا الموت، هل فهمت، هل فهمت؟
ـ نعم سيدي
ـ والآن، ما هي حيلتك؟ أشيري علي بها وعجلي
ـ إن أذنت لي يا سيدي، أن أخرج لأتصل بأخي فإن له دورا مهما يقوم به في هذه المسألة، ثم أعود لأبين لك ما استقر عليه رأينا.
ـ تخبئين علي، يا ملعونة! قومي لعنك الله، ولك أجل إلى غد عند آذان الظهر، فإذا لم تعطيني جوابا، فأنا في حل من قتل الشاب، والآن قولي ليزة أن تأتي حالا عندي.
************
وفي الغد، عند الضحى، دخلت فاطمة على القائد ومعها أخوها عسو المدعو "القنفذ" لكثرة ما ينكمش في جلسته وهيئته، وكان القنفذ أحد أدباء الأطلس الشعبيين، شاعرا، مضحكا، ماجنا، منشدا، ومغنيا، يتجول بين القبائل ويجلس مع القواد والكبراء في خلواتهم، مقبولا لدى الجميع لنكتته وخفة روحه، وإلى جانب هذا، كان رؤساء الأطلس يستشيرونه في المسائل الجدية، فيجدون لديه الرأي السديد والفكرة الثاقبة.
واستقبله القائد بشوشا: على سلامتك، يا قنفذ، ما بالك لم تحضر البارحة؟
وحدق فيه القنفذ بعينين ساخرتين: وهل بحثت عني؟ وهل أنا امرأة جميلة حتى أتقدم إليك ليلة عودتك؟
ـ قاتلك الله، أنت لا تعرف إلا الضحك والمزاح، ولا يعرف الهم إلى صدرك طريقا.
ـ وماذا يفعل الهم برجل مسكين مثلي، هو لا يحب إلا مرافقة الكبراء.
وظلوا في حديث ومداعبة إلى أن قال القائد: لعل فاطمة تحدثت إليك فيما يشغل بالي؟
ـ نعم، وإذا عملت بمشورتي فستنتهي المشكلة.
ـ وما هي مشورتك؟
ـ الرأي الذي ساشير عليك به سيجعل القائد ابراهيم في قبضتك، وسيترك لك الخيار بين أن تقتله أو أن تتخذ منه صديقا، والرأي عندي هو أن تتخذ منه صديقا.
ـ ولماذا؟
ـ لأن القائد ابراهيم يستحق ذلك، أنت لا تعرفه، أما أنا، فلي معه صحبة قديمة تتجاوز العشرين سنة، وإذا انصت لي واسكت العداوة في قلبكن فسأتكلم لك عنه بكل إنصاف وحق، إنه رجل شهم، شريف وهو أحسن من كل هؤلاء القواد الذين يحيطون بك، لأنه ليس بالمنافق ولا بالغدار، وكلمته كلمة الرجال، وإذا ما رأيته استمر في حربك، فلأنه لا يرضى أن يخضع للقوة، ولو أظهرت له الاستعداد للصلح والصداقة وظهر له منك العزم الصادق، فإنه يمد إليك يده ويعتمد عليك، هذا هو القائد ابراهيم.
ـ والآن، ما هي خطتك؟