فيها، وصلى ما فاته من أوقات، وعند ذاك دخلت عليه فاطمة وهي من أولى زوجاته وأذكى نسائه وتفرست في وجهه خفية وفهمت أنه قلق من شيء، فقالت: إنك، يا سيدي، متعب، وفي حاجة إلى شيء من النوم والراحة ..
ـ لا، لا ..
أو لعل، سيدي، غير راض عن عروسه وأنكر منها شيئا؟
ـ لا، لا، بالعكس .. ايه، يا فاطمة، الآن، يا فاطمة أعيدي علي قصتك.
ـ كنت أريد أن أخبرك أن يزة لما ذهب أصحابك ليأتوا بها وأخرجوها من بيتها، تعرض لهم ابن عمها في الطريق ومعه صاحبان له، وأوقفهم، وأمرهم بأن يتخلوا عن البنت لأنه خطبها من عمه ووعده بها، وطلب منه أصحابه أن يتركهم وشأنهم ويفسح لهم الطريق، فلم يقبل، ونشب بين الفريقين جدال انقلب إلى قتال، وقد وقع ابن عم يزة في الأسر، وهو الآن سجين في المطمورة التي بجنب الدار، وكنت أريد أن أشير عليك بإطلاق سراحه حتى تكون يزة منشرحة النفس طيبة الخاطر، وقد حدثتني هي نفسها في الموضوع واستعطفتني.
وسكت القائد برهة ثم قال وعلى وجهه إمارات الاحتقار والغضب: "قبحكن الله، يا نساء، فما أوهى عزائمكن وأضعف قلوبكن وإيمانكن .. والله، لولا إني مصاب بداء الحلم لقطعت رأسك ورأسها، وجعلتكما عبرة لنساء القبيلة، ولكن، انذريها أنها إن عادت إلى الخوض في هذا الموضوع، فإنها لن تأمن غائلتي ..
أما ابن عمها، فقد ساقته الأقدار إلى الموت.
وبهتت وجحظت عيناها لما سمعت ذكر هذه الكلمة، ولم تتمالك أن صاحت: الموت! الموت! الله! الله!
ـ نعم، نعم، الموت .. إنني أحارب الأعداء خارج القبيلة، ولا أريد أن يكون لي أعداء في داخلها ..
انصتي، إني سآمر بقتله الآن، والذي أطلبه منك هو أن تقولي ليزة إني أطلقت سراحه وأمرته بالخروج من القبيلة والابتعاد عن الأطلس بالمرة.
وسكتت فاطمة، وسكت القائد علال برهة من الزمان، وتفرست فاطمة في وجه زوجها وكانت أعرف الناس به، وقرأت في ملامحه أن هذه المرة لم يعد راضيا، مرتاحا من غزوته، فلم تتمالك أن بادرته قائلة:
ـ والله، يا سيدي، إنك لم تعد مسرورا فرحان من رحلتك.
ـ ومن قال لك هذا؟
ـ هذا ظاهر على وجهك؟
ـ ذلك لأني لم أقتل ما يكفي من الأعداء.
فأجابته متعجبة: وهذه الاخراج الملأى بالرؤوس المقطوعة، وهذا العدد الضخم من الأسرى والسبايا؟ أليس ذلك كافيا؟
فارتعش شارباه، وقال لها وقد التقى حاجباه وتقطب جبينه: والله لو قتلت كل هذه القبائل المجاورة، ما كان ذلك يشفي غليلي، وما دام القائد ابراهيم حيا يرزق، فلن يطيب لي منام.
ـ ومن هو القائد ابراهيم، يا سيدي، حتى تعبأ به وتحسب له كل هذا الحساب؟
ـ إنه نذل، خسيس، لئيم، ولكنه ما دام معتصما برؤوس الجبال، وما دام يسبني وينتهك حرمتي وأنا لا أعرف الراحة ولا يهدأ لي بال .. لقد دانت لي القبائل المجاورة، وأصبح القواد من أقصى سوس إلى بلاد الحوز يخطبون مودتي ويهابونني، ولم يبق إلا ابراهيم ذلك الوغد السافل .. ولا بد لي من رأسه، طال الزمان أم قصر.
ـ مع مثل هذا الرجل لا تنفع إلا الحيلة.
ـ وأي حيلة؟
ـ لا بد أن توجد حيلة تقضي عليه، وقد قيل قديما: رب حيلة أنفع من قبيلة ..