وانتهى النساء من غنائهن وزغاريدهن، وكان الخدم مصطفين أمام القائد علال ينتظرون منه أدنى إشارة وتفرس القائد في وجوه الحاضرين على ضوء الشموع والقناديل الزيتية وقال لهم:
"رجعنا إليكم والحمد لله، منتصرين، لقد غلبنا العدو في كل قتال نشب بيننا وطاردناه في الوديان والجبال، وقتلنا منهم عددا كبيرا، وقد أخذنا معنا أكثر من سبعين راسا سترونها غدا في حفلة "البارود" وما أتأسف إلا على الذين لم يحضروا معنا في هذه الغزوة، أما نحن فلم نفقد من جانبنا إلا عشرة رجال، رحمهم الله رحمته الواسعة، وإن أبناءهم سيصبحون أبنائي ونساءهم سيكونون تحت حمايتي ورعايتي .. والآن أطلب منكم، يا إخوتي ويا أبناء عشيرتي أن تبقوا كلكم عندي حتى تتناولوا العشاء".
ثم التفت إلى الخدم ونظر إليهم نظرة السيد وقال: "هيا، قدموا للناس الطعام".
وتفرق الحاضرون في الحجرات الفسيحة حيث نصبت لهم فيها بعد القصاع الكبيرة المملوءة بالطعام، بينما دخل القائد علال إلى بيت نسائه، حيث كانت تنتظره حفلة أخرى هي أحب إلى نفسه وأشهى.
**********
فقد اعتاد كلما عاد من غزوة، أن يدخل بإحدى الكواعب الأبكار المختارة من بين بنات القبيلة الموصوفة بالجمال والأصالة، وقد حرص في المرة الأخيرة أن يختار هو بنفسه الفتاة التي ستزف إليه ليلة رجوعه من مغامراته الحربية.
وبالفعل، فما أقبل على صحن البيت حتى وجد نساءه الكثيرات مصطفات وبأيديهن الدفوف والدرابيك وهن في إيقاع حار ملتهب يرددن أهازيج الترحيب والفرح، واخترق صفوفهن شامخ الأنف واتجه نحو القبة، وتبعته امرأة بدا يطفو على وجهها ماء الكهولة، ودخلت معه إلى القبة، وما أن استوى به المجلس حتى انحنت عليه لتقبل يديه، فأشار إليها بالجلوس وقال:
كل شيء مهيأ، يا فاطمة؟
ـ نعم، سيدي، كل شيء مهيأ .. ولعلك، محتاج إلى تناول شيء من الطعام أولا؟
ـ لا .. هاتي البنت .. والطعام معا
ـ حالا، سيدي
ولكنها ما وقفت حتى تذكرت شيئا مهما، وقالت: "ولكن، يا سيدي، لا بد أن تعلم أن ..
فقاطعها مغضبا: قصي علي الأمر فيما بعد .. هل فهمت؟
وخرجت المرأة وهي لا تكاد تصدق بخروجها سالمة من بين يديه، وغابت برهة وجيزة وعادت وبجانبها الفتاة العروس وهي ممسكة بيدها وخلفها الخدم يحملون أطباق الطعام والنساء خارج القبة مسترسلات في الأهازيج والأغاريد والتراجبع.
وضع الخدم الأطباق في أحد أبهاء القبة، ثم خرجوا سراعا، وعند ذلك اقتربت فاطمة وبجنبها الفتاة وهي تشجعها وتقول لها: "افرحي، يا يزة واسعدي، إن القائد سيحبك أكثر منا جميعا، وسنكوني أثيرة عنده، عزيزة لدية .. ابسمي واضحكي، فالقائد يحب في المرأة أن تكون طروبا لعوبا ضحوكا .. وجميلة بالطبع، وإذا كانت كذلك، فإنه يعطيها كل ما تتمناه.
وكان القائد ينظر إلى عروسه نظرة جدية ليس فيها ابتسام، ولكنها نظرة فيها كثير من الرضى والارتياح، نعم، إن العروس أجمل مما كان يتصور، ولكنها صغيرة لا تعرف ما يراد بها، يدل على ذلك ارتعاشها وقفزان صدرها.
وما هو إلا أن قام القائد إليها وأمسكها من ذراعيها وأجلسها إلى جنبه، وانسلت فاطمة وخرجت إلى النساء تأمرهن بهز "عمارة" جديدة بالدفوف و"التعاريج".
وهكذا، دخل القائد علال بعروسه الجديدة وسط الأناشيد والزغاريد وبين أهليه وذويه ونسائه ووسط أعيان القبيلة ووجهائها.
**************
وبعد ساعة خرج من القبة وتوجه إلى الحمام واغتسل ودخل إلى حجرة بجنب الحمام يستريح