دعوة الحق، س5، ع4، جانفي 1962 .................... ص72
قصة العدد: اليد على الحلقوم
للأستاذ: محمد زنيبر
كان ذلك في أيام "السيبة" قبل مجيء الفرنسيين إلى هذه البلاد بعدة سنوات
البرد قارس والثلوج تتساقط باستمرار على قمم الجبال الشاهقة وفي منحدراته، وفي الوادي حيث تجمعت القرية كلها حول دار القائد علال، يخيم ظلام دامس وسكون رهيب لا يقطعه من حين لآخر إلا نباح الكلاب وصفير الرياح العاتية ولا يسمع أي صوت للبشر، وغم كون القصبة آهلة بالسكان.
وفي هذا الفضاء القاتم، دوت بغتة بين منعرجات الأطلس الكبير طلقة نارية قوية، وكان دويها ينذر بأنها انطلقت من بنادق عديدة، وفي الحين، انقلبت القصبة الهادئة الصامتة إلى سوق حامي الرواج وخرج النساء في زينتهم، وخرج الأطفال وملأوا الممرات التي سيمر منها القائد علال إلى داره، واحتل أصحاب الدفوف والمزامير مراكزهم العادية وعمت الزغاريد والأفراح، وانطلقت الألسنة من عقالها.
وكان من عادة القائد علال، وهو من زعماء "السيبة" في الأطلس الكبير، أن يعلن عن رجوعه، كلما عادة من غارة على الأعداء والمخالفين، بواسطة طلقة نارية قوية يشارك فيها كل أصحاب البنادق ويتردد صداها في الوادي بين النجود والوهاد، فيخرج النساء مع أطفالهن في زغاريد متتالية وهن فرحات بعودة أزواجهن، وخائفات في آن واحد من سماع خبر موتهم أو فقدانهم، ولكنهن على كل حال مستعدات لينقلبن في الحين من الغناء إلى البكاء ومن الفرح إلى الحزن.
وبدأ أهل القصبة، المعلقة في حضن الجبل، يسمعون تصاهل الخيول ووقع حوافرها على الأرض المكسوة بالجليد، وأخيرا، ظهرت جموع الفرسان أمام باب القصبة يتقدمهم القائد علال، وكلهم ملتحفون في برانيسهم الصوفية، متقلدون للبنادق الطويلة والخناجر الفضية اللماعة، ولا يرى من تحت عمائمهم الكثيفة إلا أحداق ذات نظرات مخيفة.
أما القائد علال، فكان يتميز عن الكل بقامته المديدة وبهيئته وطلعته المهيبة، وكان يحدق فيمن حواليه بعينين يتطاير منهما الشرر ويعلوهما حاجبان كثيفان كبيران قد اختلط فيهما الشعر الأسود بالأبيض.
****************
وتقدم الشيوخ والكهول يسلمون عليه، بينما الدفوف تضرب والمزامير ترقص الهواء، والرجال والنساء يتجاوبون في حوار غنائي تساري الإيقاع، ودخل القائد علال إلى القصبة وتبعه الفرسان، ثم جاء من بعدهم الجرحى وهم محمولون على ظهر البغال، وأخيرا الأسرى والسبايا والمغانم والأسلاب والاخراج الكبيرة المملوءة برؤوس الأعداء التي قطعت أثناء المعارك والتي ستعرض على القبيلة في حفلة كبيرة تلعب فيها الفرسان ويطلق الرصاص.
دخل القائد علال إلى داره ودخل معه أصحابه الذين رافقوه في غزوته، وكذلك أعيان القصبة، فملأوا صحن الدار التي هي في الواقع قصر عظيم، شاهق البنيان يحتل أكثر من نصف القصبة.