مدينة "كيبتون" في سنة 1795، ووفد عدد آخر من البريطانيين في سنة 1820، وسرعان ما نشب النزاع بين المستعمرين الهولنديين والبريطانيين، إذ حاول كل من الفريقين الاستئثار بخيرات البلاد، ومن ثم استعرت نار الحرب المعروفة باسم حرب البوير فيما بين سنتي 1899 و 1902، وأخيرا أعلن (استقلال) اتحاد جنوب افريقيا في سنة 1909 في نطاق جامعة الدول البريطانية (الكومنويلث)، وظل الأمر على ذلك حتى خرج الاتحاد من تلك الجامعات أخيرا، وإذا كانت الكراهية لا تزال حتى الآن على أشدها بين الهولنديين والبريطانيين فإن هناك شيئا واحدا يجمع بين الفريقين: ذلك هو إبغاض الإفريقيين وصب كل ألوان الاضطهاد والعسف عليهم.
ويبلغ عدد سكان الاتحاد خمسة عشر كليون نفس، من بيتهم نحو أحد عشر مليون من الأفريقيين والمولدين ونصف مليون آسيوي، وثلاثة ملايين من الأوربيين.
التفرقة العنصرية قانون إلهي:
ويرأس حكومة الاتحاد في الوقت الحاضر الدكتور "هيندريك فيرودر" الذي ولد في هولندا سنة 1901 واشتغل في شبابه مدرسا، ثم أصبح رئيسا لتحرير جريدة (دي ترانسفالر) الناطقة بلسان الهولنديين البوير، وتولى بعد ذلك عدة مناصب في حكومة الاتحاد، كان آخرها رئاسة الوزارة منذ شهر أغسطس سنة 1958.
ولعل فيرودر هو أكثر الساسة الأوربيين في افريقيا تعصبا وأغلظهم قلبا وأجمدهم تفكيرا، ويكفي أن نذكر أن هذا الرجل يصرح دائما بأن التفرقة العنصرية (الأبارتايد) إنما هو قانون إلهي ينبغي أن يطبق في كل مكان يحل فيه أي أوربي، وأن هذه التفرقة ليست ظلما لما يسميه (العناصر المنحطة) أي الإفريقية، وإنما هي الإجراء العادل الذي يكفل لها أن تعيش (في المستوى الذي خلقت له).
ولهذا لم يكن من الغريب أن يلاقي الإفريقيون في هذه البلاد على يد هذا الرجل ما لم يشهد له التاريخ مثيلا، فدستور الاتحاد ينص على أن الإفريقيين لا يمكن أن يكونوا أعضاء في البرلمان ولا محامين ولا قضاة ولا ضباطا في الجيش ولا في الشرطة، وكل ما سنح لهم به هو أن يشتغلوا مزارعين أجيرين أو عمالا، بشرط ألا يتخصصوا في أي عمل فني أو صناعي، أما الأعمال التي تتطلب مستوى عاليا من التخصص كالهندسة أو الطب أو الصيدلة أو العمارة فكل ذلك محرم على غير الأوربيين، وأما ملكية الأرض في هذه البلاد فإنها تصور بشاعة ما يجري بها، فالأحد عشر مليونا من الإفريقيين لا يملكون من أرض بلادهم إلا نحو 13 بالمائة من جملة مساحتها، والمليونان ونصف المليون من البيض يستأثرون بالباقي، ها وتتصرف الحكومة والسادة البيض في الشعب الإفريقي كما لو كان قطعانا من البهائم، إذ يكفي أن يطلب أحد الأوربيين بضعة آلاف من الإفريقيين للعمل في مزرعته أو منجمه حتى يصدر قرار حكومي بنقل سكان قرية كاملة إلى حيث يريد السيد الأبيض لخدمته بدون مقابل، وليس للافريقي أن يحتج أو يطلب استبدال سيده بآخر إذا أراد أن يتجنب عقوبة الجلد أو السجن أو الإعدام في بعض الأحيان، أما الأوربي فإنه ليس مطالبا بدفع أجر للعامل أو الفلاح الإفريقي الذي يعمل في خدمته من شروق الشمس إلى غروبها، وكل ما يلتزم به هو أن يلقي إليه كل يوم قليلا من الذرة والدقيق والملح، ولا يستطيع الإفريقي أن ينتقل من منطقة إلى أخرى إلا بتصريح من الحكومة، وهذا التصريح يعين السلطات على أن تجمع العدد الذي تريده من العمال تحت تصرفها في أي وقت وفي أي مكان.
وقد أصدرت الحكومة أخيرا قانونا يحرك على الرجل الأبيض أن يصافح الإفريقي بيده طيلة حياته، فإذا مات (أعني الإفريقي) فإنه لا يسمح لجسده بأن يدفن في المقابر المخصصة للبيض.
وقد كان من نتائج هذا (الإرهاب الأسود) الذي يباشره البيض هناك أن وقع ذلك الانفجار الشعبي الشديد في مارس سنة 1960، والحركات الوطنية، وعلى رأسها رجال مثل "إيزيكيل ميغاليلي" و "ألبيرت لوتولي" تسير بخطى سريعة إلى الأمام، هذا ولست أريد أن أصرح بأسماء بقية القادة الوطنيين الذين تعرفت إليهم أثناء إقامتي هناك حتى لا أتسبب في مزيد من الاضطهاد لهم على أيدي زبانية (الاتحاد الإفريقي).
************
وهكذا يمضي الكتاب في عرض صور من حياة افريقيا والإفريقيين، فيحدثنا طويلا عن مدغشقر والكاميرون والكونغو ونيجيريا وغانا وغينيا ومالي