تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى تولى منصب النيابة في المجلس التنفيذي في سنة 1940، وفي السنة التالية أسس الملاكم اليهودي السابق (حزب العمال لشمال روديسيا) وقد بدأ يطالب بفكرة الاتحاد الإئتلافي بين المقاطعات الإفريقية الثلاث منذ سنة 1948، وهو ما تحقق أخيرا على يد أندرو كوهين، وهكذا أصبح فيلينسكي بفضل ذلك رئيسا لوزراء الاتحاد.

"بدعة" الاستقلال:

ويشرح السير روي فيلينسكي مبادئ سياسته، فيقول من خطاب ألقاه في جوهانسبورج أخيرا: (إن من الظواهر المؤسفة التي أصبحت "بدعة" هذا العصر ما نراه من مطالبة الشعوب المتخلفة بما تسميه استقلالها وحريتها، وكأن هذا الاستقلال سلة من الخبز يتقاسمون ما فيها فور حصولهم على الاستقلال، لقد حانت الساعة لكي نفهم هؤلاء الغوغاء الرعاع أن ذلك ليس إلا حلما تقبع وراءه الحقيقة المرة .. إن ما يسمونه "الاستقلال" لن يغنيهم من فقر ولن يسمنهم من جوع، وإنه يجب أن يعرف هؤلاء المخدوعون المضللون أن الوطن الصحيح لا يقوم إلا على دعامتين رئيسيتين: أقلية مثقفة مستنيرة تعرف كيف توجه الحكم وتديره، وأغلبية تضطلع بما يسند إليها من عمل في طاعة ونظام .. بهذا يكفل الرخاء والاستقرار في البلاد، وإلا أصبحت أمورها فوضى تعود بالكوارث على الجميع، إن البلاد الإفريقية جميعا بلا استثناء ما زالت في حاجة إلى جهودنا ـ نحن الأوربيين ـ ورعايتها وأخذنا بأيديها، وأنا أصرح بأن هذا الوضع قد يستمر قرونا قبل أن نسمح لأولئك الملونين المتخلفين بالأخذ بنصيب في حكم بلادهم وإدارتها بأنفسهم، وحتى إذا حانت هذه الساعة لذلك أليس من حقنا نحن الذين ضحينا بالكثير من أجل إسعاد هذه الشعوب أن ننال نصيبا من الجزاء وأن يعترف بفضلنا عليها؟).

ولست أظن هذه الكلمات التي تصور صفاقة صاحبها وتجرده من الإنسانية محتاجة إلى أي تعليق ..

7000 أبيض = 500000 إفريقي:

ويعتبر السير روي فيلينسكي نفسه كما يعتبره الأوربيون البيض هناك من (أبطال الاستقلال)، فالجميع يعترفون بأن نفوذ وزارة المستعمرات البريطانية في توجيه سياسة الاتحاد الإئتلافي، قد تضاءل حقا في عهده، غير أن مفهوم (الاستقلال) هنا يختلف عن مفهومه في سائر بلاد العالم، إذ أن معناه في روديسيا هو أن تنتقل السلطات من أجهزة الاستعمار البريطاني إلى يدي روي فياينسكي نفسه، وأيدي أمثاله من الأقلية الأوربية الحاكمة.

ولروديسيا ونياسالاند برلمان فريد من نوعه، إذ يتألف من 59 عضوا من بينهم 15 يمثلون الأغلبية الإفريقية و44 يمثلون الأقلية البيضاء، ومعنى ذلك أن كل نصف مليون من أهل البلاد يمثلهم عضو واحد، أما الأوربيون فلهم نائب عن كل 7000 شخص .. أترانا في حاجة إلى مزيد من الأمثلة على مدى (الديمقراطية) التي طالما امتنت أوربا على الإفريقيين بأنها لقنتهم إياها؟

وقد ظل العالم لا يعرف إلا القليل عن الحياة في هذا البلد الإفريقي، حتى استطاع الزعيم الروديسي "موانجانكو مبولا" أن يطلع الرأي العام العالمي في مؤتمر أكرا سنة 1958 على حقائق تقشعر منها الأبدان.

وفي نفس ها المؤتمر تحدث زعيم إفريقي آخر هو "كاموتزوباندا" عن أحوا نياسالاند التابعة للاتحاد الإئتلافي الذي يحكمه روي فيلينسكي، وقد قضى باندا أربعين سنة من حياته في المنفى وسنوات أخرى في السجن لا لشيء إلا لأنه قال للبريطانيين ولربيبهم اليهودي: اخرجوا من بلادي .. وقد أدى ذلك أخيرا إلى نشوب تلك الاضطرابات الدامية التي وقعت في فبراير سنة 1959.

قابيل وهابيل في جنوب افريقيا:

ولنترك اتحاد روديسيا ونياسالاند إلى اتحاد جنوب افريقيا في الرف الجنوبي الأقصى من القارة، حيث كان مهب آدم وحواء من الجنة بعد أن طردهما الله من الفردوس على ما يعتقد بعض علماء الحضارات القديمة. ترى لو أن أبا البشر عاد اليوم إلى عالمنا الأرضي ورأى ما يفعل بعض أبنائه في مكان مهبطه .. أتراه يشعر بالندم والأسف على خروجه من الجنة، بقدر خجله من هؤلاء الأبناء الذين انحدروا من صلبه؟

إن قصة قابيل وهابيل تتكرر في كل لحظة في هذا الميدان الذي يسمونه (اتحاد جنوب افريقيا)، وقابيل هنا هو هذا العدد من الأوربيين الذين وصلوا إلى تلك البلاد في القرن السابع عشر، وكان معظمهم من أصل هولندي، ثم زاحمهم الأنجليز الذين احتلوا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨٩٦