"إصلاح زراعي" من نوع جديد:
وقد أقبل الانجليز منذ حكمهم لهذه البلاد على التطور بها تطورا سريعا، فسنوا لها قانونا للإصلاح الزراعي، والإصلاح الزراعي في كل بلاد العالم يستهدف توزيع الأراضي توزيعا أقرب إلى العدالة، ولكن إصلاح الانجليز كان شيئا جديدا يمتاز بالطرافة والأصالة، فقد أصبحت بمقتضاه كل أراضي كينيا الخصبة الصالحة للزراعة أو لتربية الماشية من نصيب الأوربيين، أما الكينيون فقد تركت لهم معظم المساحات المجدبة من البلاد.
وواصل الانجليز جهودهم في سبيل نشر الديمقراطية في كينيا، ففي سنة 1954 طبق القانون المعروف باسم "ليتلتون" وأصبح مجلس الوزراء على أساسه يتألف من ستة أعضاء: ثلاثة أوربيين واثنين هنديين وعضو إفريقي واحد.
ويبدو أن هذا الطراز من الديمقراطية لم يعجب أهل كينيا، ومن ثم ولدت الحركة الوطنية في تلك البلاد، وتزعمها جومو كينياتا، ثم توم مبويا، حينما زج بكينياتا في السجن، وكانت مطالب هذه الحركة هي إعادة توزيع الأراضي على أساس يضمن للإفريقيين حقوقهم، ثم زيادة نسبة تمثيل الإفريقيين في أجهزة الحكم والمجالس النيابية.
روديسيا ونياسا:
لعل أول ما يصدم الداخل إلى سالزبوري عاصمة اتحاد روديسيا ونياسالاند، وهو ما زال في المطار هو ذلك البيان الطويل المعقد الذي يقدم للأجنبي لكي يملأه، وأول ما ينبغي أن يثبته في هذا البيان ليس ذكر وطنه الذي ينتمي إليه، وإنما هو النص على جنسه: أبيض، إفريقي، آسيوي، مولد.
للأوربيين فقط:
والعاصمة مدينة جميلة في وسطها عدة ناطحات للسحاب، وفي ضواحيها بيوت ريفية على الطراز الانجليزي القديم، والذي يستوقف نظر المتردد على معالم هذه المدينة الجميلة لأول وهلة هو خلوها من الإفريقيين. على أن المتسائل عن ذلك لا يلبث أن يجد الجواب في اللافتات التي يراها حيث مر في أنحاء المدينة (للأوربيين فقط)، وقد حاولت مرة أن أدعو في فندقي سياسيا افريقيا مرموقا يتولى منصب (الوزارة) في حكومة الاتحاد، وتاجرا هنديا معروفا إلى تناول الغذاء معي، فلم تسمح لي بذلك إدارة الفندق، بل نظر إلي موظفوه في مزيج من الدهشة والإشفاق والغضب، كأنني ارتكبت جرما لا يغفر لي منه إلا الجهل والسذاجة ..
وتبلغ مساحة الاتحاد الفيدرالي بين روديسيا الشمالية والجنوبية ونياسالاند خمسة أضعاف مساحة بريطانيا، أما عدد السكان فيبلغ أمثر بقليل من سبعة ملايين ونصف من بينهم نحو 187000 أوربي، وقد بدأ النفوذ البريطاني في الامتداد إلى هذه البلاد منذ أن قدم إليها سيسل روديس (1853 ـ 1902)، وهو الذي أطلق اسمه على هذه البلاد، ثم استولت عليها (الشركة البريطانيى لجنوب افريقيا) في نهاية القرن التاسع عشر (من أجل النهضة بالتجارة والصناعة والثقافة في ظل حكومة صالحة تقدمية)، وما زالت هذه الشركة تباشر عنايتها بالتجارة والصناعة والثقافة (كذا) حتى أصبحت المقاطعات الثلاث جزءا من ممتلكات التاج البريطاني.
الدكتاتور اليهودي:
أما الاتحاد الإئتلافي الذي أقيم بين تلك المقاطعات الثلاث فهو حديث العهد، إذ أنه يرجع إلى سنة 1953، بفضل سياسي استعماري انجليزي هو السير اندريه كوهين الذي يدلنا اسمه على أصله اليهودي.
ولعل في ذلك ما يفسر لنا كيف يحكم هذا الاتحاد الآن يهودي آخر بولوني الأب هولندي الأم، هو روي فيلينسكي رئيس وزراء الاتحاد منذ سنة 1956، وحياة هذا الرجل يمكن أن تكون صورة مصغرة من حياة أمثاله من الأوربيين الذين يتحكمون حتى الآن في مصائر البلاد الإفريقية.
ولد "روي فيلينسكي" في سالزبوري في سنة 1907، وكان أبوه صاحبا لإحدى الحانات ثم لفندق متواضع، ولم يأخذ هو إلا قسا ضئيلا من التعليم، ثم اشتغل أجيرا في بعض المناجم والمزارع، وقضى فترة من حياته جزارا وخبازا وبائعا، ثم احترف الملاكمة حتى سنة 1928، وبعد لك أصبح سائق قطار، وارتفع نجمه بسرعة بفضل بعض الأرستقراطيين الأنجليز،